تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
خلقت شكسا للأعادي مشكسا * أكوي السريين وأحسم النسا
من شاء من حر الجحيم استقبسا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : « سالما » ، على اسم الفاعل بمعنى سلم من الشركة فيه . قال أبو عمرو معناه : خالصا ، وهذه بالألف قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والجحدري والزهري والحسن بخلاف عنه . وقرأ الباقون : « سلما » بفتح السين واللام ، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة وأبي رجاء وطلحة والحسن بخلاف . وقرأ سعيد بن جبير : « سلما » ، بكسر السين وسكون اللام ، وهما مصدران وصف بهما الرجل بمعنى خالصة وأمر قد سلم له . ثم وقف الكفار بقوله :
هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا
ونصب
مَثَلًا
على التمييز ، وهذا توقيف لا يجيب عنه أحد إلا بأنهما لا يستويان ، فلذلك عاملتهم العبارة الوجيزة على أنهم قد جاوبوا ، فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
أي على ظهور الحجة عليكم من أقوالكم . ثم قال تعالى :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
فأضرب عن مقدر محذوف يقتضيه المعنى ، تقديره : الحمد للّه على ظهور الحجة ، وأن الأمر ليس كما يقولون
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
. و « أكثر » في هذه الآية على بابها ، لأنا وجدنا الأقل علم أمر التوحيد وتكلم به ورفض الأصنام كورقة وزيد وقس . ثم ابتدأ القول معهم غرضا آخر من الوعيد يوم القيامة والخصوم ومن التحذير من حال الكذبة على اللّه المكذبين بالصدق ، فقدم تعالى لذلك توطئة مضمنها وعظ النفوس وتهيئتها لقبول الكلام وحذف التوعد ، وهذا كما تريد أن تنهى إنسانا عن معاصيه أو تأمره بخير فتفتتح كلامك بأن تقول : كلنا يفنى ولا بد للجميع من الموت ، أو كل من عليها فان ، ونحو هذا مما توقن به نفس الذي تحاور ، ثم بعد هذا تورد قولك ، فأخبر تعالى أن الجميع « ميت » . وهذه قراءة الجمهور ، وقرأها « مائت » و « مائتون » بألف ابن الزبير وابن محيصن وابن أبي إسحاق واليماني وعيسى بن عمر وابن أبي عبلة . والضمير في
إِنَّهُمْ
لجميع العالم ، دخل رجل على صلة بن أشيم فنعى إليه أخاه ، وبين يدي صلة طعام فقال صلة للرجل : ادن فكل ، فإن أخي قد نعي إليّ منذ زمان ، قال اللّه تعالى :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
والضمير في
إِنَّكُمْ
قيل هو عام فيختصم يوم القيامة المؤمنون والكافرون فيما كان من ظلم الكافرين لهم في كل موطن ظلموا فيه ، ومن هذا قول علي بن أبي طالب : أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الرحمن ، فيختصم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث مع عتبة وشيبة والوليد ، ويختصم أيضا المؤمنون بعضهم مع بعض في ظلاماتهم ، قاله أبو العالية وغيره . وقال الزبير بن العوام للنبي عليه السلام : أيكتب علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟ قال نعم ، حتى يؤدى إلى ذي كل حق حقه . وقد قال عبد اللّه بن عمر لما نزلت هذه الآية : كيف نختصم ونحن أخوان ؟ فلما قتل عثمان وضرب بعضنا وجوه بعض بالسيوف ، قلنا هذا الخصام الذي وعدنا ربنا . ويختصم أيضا على ما روي : الروح مع الجسد ، في أن يذنب كل واحد منهما صاحبه ويجعل المعصية في حيزه ، فيحكم اللّه تعالى بشركتهما في ذلك . قال القاضي أبو محمد : ومعنى الآية عندي أن اللّه تعالى توعدهم بأنهم سيخاصمون يوم القيامة في معنى ردهم في معنى الشريعة وتكذيبهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم .