لأنه إنما أراد عظيم جرأته عليها فهو يلقاها بكل محن وبكل شيء منه حتى بوجهه وبنحره .
وقوله تعالى :
ذُوقُوا
عبارة عن باشروا ، وهنا محذوف تقديره : جزاء
ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
، ثم مثل لقريش بالأمم السالفة ، ثم أخبر بما نال تلك الأمم من كونها في الدنيا أحاديث ملعنة ، ولا خزي أعظم من هذا مع ما نال نفوسهم من الألم والذل والكرب ، ثم أخبر أن ما أعد لهم من عذاب الآخرة أكبر من هذا كله الذي كان في الدنيا .
وقوله :
قُرْآناً
قالت فرقة : هو نصب على الحال ، وقالت فرقة : هو نصب على المصدر .
و :
عَرَبِيًّا
حال ، وقالت فرقة : نصب على التوطئة للحال ، والحال قوله :
عَرَبِيًّا
ونفى عنه العوج لأنه لا اختلاف فيه ولا تناقض ولا مغمز بوجه .
واختلفت عبارة المفسرين ، فقال عثمان بن عفان : المعنى غير متضاد ، قال ابن عباس : غير مختلف .
وقرأ مجاهد : غير ذي لبس . وقال السدي : غير مخلوق . وقال بكر المزني : غير ذي لحن . والعوج بكسر العين في الأمر والمعنى وبفتحها في الأشخاص .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 29 إلى 32 ]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 29 ) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( 31 ) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 32 )
لما ذكر عزّ وجل أنه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل مجملا جاء بعد ذلك بمثل في أهم الأمور وأعظمها خطرا وهو التوحيد ، فمثل تعالى الكافر والعابد للأوثان والشياطين لرجال عدة في أخلاقهم شكاسة ونقص وعدم مسامحة ، فهم لذلك يعذبون ذلك العبد بأنهم يتضايقون في أوقاتهم ويضايقون العبد في كثرة العمل ، فهو أبدا ناصب ، فكذلك عابد الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها هو معذب الفكر بها وبحراسة حاله منها ، ومتى أرضى صنما منها بالذبح له في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر ، فهو أبدا تعب في ضلال ، وكذلك هو المصانع للناس الممتحن بخدمة الملوك ، ومثل تعالى المؤمن باللّه وحده بعبد لرجل واحد يكلفه شغله فهو يعمله على تؤدته وقد ساس مولاه ، فالمولى يغفر زلته ويشكره على إعادة عمله .
وقوله :
ضَرَبَ
مأخوذ من الضريب الذي هو الشبيه ، ومنه قولهم : هذا ضرب هذا ، أي شبهه .
و :
مَثَلًا
مفعول ب
ضَرَبَ
، و :
رَجُلًا
نصب على البدل . قال الكسائي : وإن شئت على إسقاط الخافض ، أي مثلا لرجل أو في رجل ، وفي هذا نظر ، و :
مُتَشاكِسُونَ
معناه : لا سمح في أخلاقهم بل فيها لجاج ومتابعة ومحاذقة ، ومنه قول الشاعر : [ الرجز ]