للقانت ، ولا يوقف على التأويل على قوله :
رَحْمَةَ رَبِّهِ
، وهذا معنى صحيح ، إلا أنه أجنبي من معنى الآيات قبله وبعده ، وضعفه أبو علي الفارسي . وقال مكي : إنه لا يجوز عند سيبويه ، لأن حرف النداء لا يسقط مع المبهم وليس كما قال مكي ، أما مذهب سيبويه في أن حرف النداء لا يسقط مع الميم ، فنعم ، لأنه يقع الإلباس الكثير بذلك ، وأما أن هذا الموضع سقط فيه حرف النداء فلا ، والألف ثابتة فيه ظاهرة ، وأما القراءة بتشديد الميم فإنها : « أم » دخلت على : « من » والكلام على هذه القراءة لا يحتمل إلا المعادلة بين صنفين ، فيحتمل أن يكون ما يعادل « أم » متقدما في التقدير ، كأنه يقول : أهذا الكافر خير أم من ، ويحتمل أن تكون « أم » قد ابتدأ بها بعد إضراب مقدر ويكون المعادل في آخر الكلام ، والأول أبين .
والقانت : المطيع ، وبهذا فسر ابن عباس رضي اللّه عنه ، والقنوت في كلام العرب : يقع على القراءة وعلى طول القيام في الصلاة ، وبهذا فسرها ابن عمر رضي اللّه عنه ، وروي عن ابن عباس أنه قال : من أحب أن يهون اللّه عليه الوقوف يوم القيامة ، فليره اللّه في سواد الليل ساجدا أو قائما ، ويقع القنوت على الدعاء وعلى الصمت عبادة . وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أن القنوت : الطاعة .
وقال جابر بن عبد اللّه : سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي الصلاة أفضل ؟ فقال : « طول القنوت » .
والآناء : الساعات ، واحدها : أني كمعى ومنه قولهم : لن يعدو شيء أناه ، ومنه قوله تعالى :
غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ
[ الأحزاب : 53 ] على بعض التأويلات في ذلك ويقال في واحدها أيضا : أنى على وزن قفى ، ويقال فيه أيضا : إني بكسر الهمزة وسكون النون ، ومنه قول الهذلي : [ البسيط ]
حلو ومر كعطف القدح مرته * في كل إني حداه الليل ينتعل
وقرأ الضحاك : « ساجد وقائم » بالرفع فيهما .
وقوله تعالى :
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ
معناه يحذر حالها وهولها . وقرأ سعيد بن جبير : « يحذر عذاب الآخرة » و
أُولُوا
معناه أصحاب الألباب ، واحدهم : ذو .
وقرأ جمهور القراء : « قل يا عبادي » بفتح الياء . وقرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش : « يا عبادي » بياء ساكنة . وقرأ أبو عمرو أيضا وعاصم والأعمش وابن كثير : « يا عباد » بغير ياء في الوصل .
ويروى أن هذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة . ووعد تعالى بقوله :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
ويحتمل أن يكون قوله :
فِي هذِهِ الدُّنْيا
، متعلقا ب
أَحْسَنُوا
، فكأنه يريد أن الذين يحسنون في الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة والنعيم ، قاله مقاتل ، ويحتمل أن يريد : أن الذين يحسنون لهم حسنة في الدنيا وهي العاقبة والظهور وولاية اللّه تعالى ، قاله السدي . وكان قياس قوله أن يكون في هذه الدنيا متأخرا ويجوز تقديمه ، والأول أرجح أن الحسنة هي في الآخرة .
وَأَرْضُ اللَّهِ
يريد بها البلاد المجاورة التي تقتضيها القصة التي في الكلام فيها ، وهذا حض على الهجرة ، ولذلك وصف اللّه الأرض بالسعة . وقال قوم : أراد ب « الأرض » هنا الجنة ، وفي هذا القول تحكم لا دليل عليه .
ثم وعد تعالى على الصبر على المكاره والخروج عن الوطن ونصرة الدين وجميع الطاعات : بأن