تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
يشبهها من الرجال والعدد ويتسع بهم ، وروي أكثر من هذا بكثير ولكن عدم صحته مع بعد شبهه أوجب اختصاره . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « خير الجيوش أربعة آلاف » وما كان سليمان ليعدو الخير ، وقرأ ابن أبي عبلة « غدوتها شهر وروحتها شهر » وكان إذا أراد قوما لم يشعروا به حتى يظلمهم في جو السماء ، وقوله تعالى :
وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ
، روي عن ابن عباس وقتادة أنه كانت تسيل له باليمن عين جارية من نحاس يصنع له منها جميع ما أحب ، و
الْقِطْرِ
: النحاس ، وقالت فرقة
الْقِطْرِ
الفلز كله النحاس والحديد وما جرى مجراه ، كان يسيل له منه عيون ، وقالت فرقة بل معنى
أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ
أذبنا له النحاس عن نحو ما كان الحديد يلين لداود ، قالوا وكانت الأعمال تتأتى منه لسليمان وهو بارد دون نار ، و
عَيْنَ
على هذا التأويل بمعنى الذات ، وقالوا لم يلن النحاس ولا ذاب لأحد قبله ، وقوله
مَنْ يَعْمَلُ
يحتمل أن
مِنَ
تكون في موضع نصب على الاتباع لما تقدم بإضمار فعل تقديره وسخرنا من الجن من يعمل ، ويحتمل أن تكون في موضع رفع على الابتداء والخبر في المجرور ، و
يَزِغْ
معناه يمل أي ينحرف عاصيا ، وقال
عَنْ أَمْرِنا
يقل عن إرادتنا لأنه لا يقع في العالم شيء يخالف الإرادة ، ويقع ما يخالف الأمر ، قال الضحاك وفي مصحف عبد اللّه « ومن يزغ عن أمرنا » بغير
مِنْهُمْ
، وقوله تعالى :
مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ
قيل عذاب الآخرة ، وقيل بل كان قد وكل بهم ملك وبيده سوط من نار السعير ، فمن عصى ضربه فأحرقه به . قوله عزّ وجل :

[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 13 ]

يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) « المحاريب » الأبنية العالية الشريفة ، قال قتادة القصور والمساجد ، وقال ابن زيد المساكن ، والمحراب أشرف موضع في البيت ، والمحراب موضع العبادة أشرف ما يكون منه ، وغلب عرف الاستعمال في موضع وقوف الإمام لشرفه ومن هذه اللفظة قول عدي بن زيد : [ الخفيف ]
كدمى العاج في المحاريب أو كال * بيض في الروض زهره مستنير
« والتماثيل » قيل كانت من زجاج ونحاس ، تماثيل أشياء ليست بحيوان ، وقال الضحاك كانت تماثيل حيوان ، وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع . قال القاضي أبو محمد : ونسخ بشرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقال قوم : حرم التصوير لأن الصور كانت تعبد ، وحكى مكي في الهداية أن فرقة كانت تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية وذلك خطأ ، وما أحفظ من أئمة العلم من يجوزه ، و « الجوابي » جمع جابية وهي البركة التي يجبى إليها الماء الذي يجمع قال الراجز : [ الرجز ]
فصحبت جابية صهارجا * كأنه جلد السماء خارجا
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 409 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى