تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
الواو إنما عطفت جملة على جملة وكأن المعنى الإخبار بأن أهل العلم يرون الوحي المنزل على محمد حقا وأنه يهدي إلى صراط اللّه ، وقوله
الَّذِي أُنْزِلَ
مفعول ب
يَرَى
، و
الْحَقَّ
مفعول ثان وهو عماد ، و
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
قيل هم من أسلم من أهل الكتاب . وقال قتادة هم أمة محمد المؤمنون به كان من كان ،
وَيَهْدِي
معناه يرشد ، و « الصراط » الطريق ، وأراد طريق الشرع والدين ، ثم حكي عن الكفار مقالتهم التي قالوها على جهة التعجب والهزء ، أي قالها بعضهم لبعض كما يقول الرجل لمن يريد أن يعجبه : هل أدلك على أضحوكة ونادرة فلما كان البعث عندهم من البعيد المحال جعلوا من يخبر به في حيز من يتعجب منه ، والعامل في
إِذا
فعل مضمر قبلها فيما قال بعض الناس تقديره « ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم » ، ويصح أن يكون العامل ما في قوله
إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
من معنى الفعل لأن تقدير الكلام « ينبئكم إنكم لفي خلق جديد إذا مزقتم » ، وقال الزجاج العامل في
إِذا
،
مُزِّقْتُمْ
وهو خطأ وإفساد للمعنى المقصود ، ولا يجوز أن يكون العامل
يُنَبِّئُكُمْ
بوجه ، و
مُزِّقْتُمْ
معناه بالبلى وتقطع الأوصال في القبور وغيرها ، وكسر الألف من
إِنَّكُمْ
لأن
يُنَبِّئُكُمْ
في معنى يقول لكم ولمكان اللام التي في الخبر ، و
جَدِيدٍ
معناه مجدد ، وقولهم
أَفْتَرى
هو من قول بعضهم لبعض ، وهي ألف الاستفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت مفتوحة غير ممدودة ، فكأن بعضهم استفهم بعضا عن محمد أحال الفرية على اللّه هي حاله أم حال الجنون ، لأن هذا القول إنما يصدر عن أحد هذين فأضرب القرآن عن قولهم وكذبه ، فكأنه قال ليس الأمر كما قالوا
بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
والإشارة بذلك إليهم ،
فِي الْعَذابِ
يريد عذاب الآخرة لأنهم يصيرون إليه ، ويحتمل أن يريد
فِي الْعَذابِ
في الدنيا بمكابدة الشرع ومكابرته ومحاولة إطفاء نور اللّه تعالى وهو يتم ، فهذا كله عذاب وفي
الضَّلالِ الْبَعِيدِ
أي قربت الحيرة وتمكن التلف لأنه قد أتلف صاحبه عن الطريق الذي ضل منه . قوله عزّ وجل :

[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 9 إلى 11 ]

أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 9 ) وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) الضمير في
يَرَوْا
لهؤلاء
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
[ سبأ : 8 ] وقفهم اللّه تعالى على قدرته وخوفهم من إحاطتها بهم ، المعنى أليس يرون أمامهم ووراءهم سمائي وأرضي لا سبيل لهم إلى فقد ذلك عن أبصارهم ولا عدم إحاطته بهم ، وقرأ الجمهور « إن نشأ نخسف » و « نسقط » بالنون في الثلاثة وقرأ حمزة والكسائي « إن يشأ يخسف بهم أو يسقط » بالياء في الثلاثة وهي قراءة ابن وثاب وابن مصرف والأعمش وعيسى واختارها أبو عبيد ، و « خسف الأرض » هو إهواؤها بهم وتهورها وغرقهم فيها ، و « الكسف » قيل هو