تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
عليهم أبو سفيان بن حرب ، ووردت غطفان وأهل نجد عليهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ، ووردت بنو عامر وغيرهم عليهم عامر ابن الطفيل ، إلى غير هؤلاء ، فحصروا المدينة ، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على ما قال بن إسحاق ، وقال مالك كانت سنة أربع ، وكانت بنو قريظة قد عاهدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الهدنة وعاقدوه على أن لا يلحقه منهم ضرر ، فلما تمكن هذا الحصار داخلهم بنو النضير ، فغدروا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونقضوا عهوده ، وصاروا له حزبا مع الأحزاب ، فضاق الحال على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، ونجم النفاق وساءت الظنون ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبشر ويعد النصر ، وألقى اللّه تعالى الرعب في قلوب المشركين ويئسوا من الظفر بمنعة الخندق وبما رأوا من جلد المؤمنين ، وجاء رجل من قريش اسمه نوفل بن الحارث ، وقيل غير هذا ، فاقتحم الخندق بفرسه فقتل فيه ، فكان ذلك حاجزا بينهم ، ثم إن اللّه تعالى بعث الصبا لنصرة نبيه عليه السلام على الكفار ، وهجمت بيوتهم ، وأطفأت نارهم ، وقطعت حبالهم ، وأكفأت قدورهم ، ولم يمكنهم معها قرار ، وبعث اللّه مع الصبا ملائكة تشدد الريح وتفعل مثل فعلها ، وتلقي الرعب في قلوب الكفرة حتى أزمعوا الرحلة بعد بضع وعشرين ليلة للحصر ، فانصرفوا خائبين فهذه الجنود التي لم تر . وقرأ الحسن « وجنودا » بفتح الجيم ، وقرأ الجمهور « تعملون » بالتاء فكأن في الآية مقابلة لهم ، أي أنتم لم تروا جنوده وهو بصير بأعمالكم يبين في هذا القدرة والسلطان ، وقرأ أبو عمرو وحده « يعملون » بالياء على معنى الوعيد للكفرة ، وقرأ أبو عمرو أيضا بالتاء وهما حسنتان ، وروي عن أبي عمرو « لم يروها » بالياء من تحت ، قال أبو حاتم قراءة العامة « لم تروها » بالتاء من فوق ، « يعملون » بالياء من تحت ، وروي عن الحسن ونافع « تعلمون » بالتاء مكسورة . قوله عزّ وجل :

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 10 إلى 12 ]

إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً ( 11 ) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ( 12 )
إِذْ
هذه لا بد من الأولى في قوله :
إِذْ جاءَتْكُمْ
[ الأحزاب : 9 ] ، وقوله تعالى :
مِنْ فَوْقِكُمْ
يريد أهل نجد مع عيينة بن حصن ،
وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
يريد مكة وسائر تهامة ، قاله مجاهد وقيل « من فوق وأسفل » هنا إنما يراد به ما يختص ببقعة المدينة ، أي نزلت طائفة في أعلى المدينة وطائفة في أسفلها ، وهذه عبارة عن الحصر ، و
زاغَتِ
معناه مالت عن مواضعها ، وذلك فعل الواله الفزع المختبل ، وأدغم الأعمش
إِذْ زاغَتِ
وبين الذال الجمهور وكل حسن ،
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ
عبارة عما يجده الهلع من ثوران نفسه وتفرقها شعاعا ويجد كأن حشوته وقلبه يصعد علوا لينفصل ، فليس بلوغ القلوب الحناجر حقيقة بالنقلة بل يشير لذلك وتجيش فيستعار لها بلوغ الحناجر ، وروى أبو سعيد الخدري أن المؤمنين قالوا يوم الخندق : يا رسول اللّه بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله ، قال : « نعم ، قولوا : اللهم استر عوراتنا ،