[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 7 إلى 9 ]
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 7 ) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 8 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 )
إِذْ
يحتمل أن تكون ظرفا لتسطير الأحكام المتقدمة في الكتاب ، كأنه قال كانت هذه الأحكام مسطرة ملقاة إلى الأنبياء إذ أخذنا عليهم الميثاق في التبليغ والشرائع ، فتكون
إِذْ
متعلقة بقوله
كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً
، [ الأحزاب : 6 ] ، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل تقديره واذكر إذ ، وهذا التأويل أبين من الأول ، وهذا « الميثاق » المشار إليه قال الزجاج وغيره إنه الذي أخذ عليهم وقت استخراج البشر من صلب آدم كالذر ، قالوا فأخذ اللّه تعالى حينئذ ميثاق النبيين بالتبليغ وبتصديق بعضهم بعضا وبجميع ما تتضمنه النبوءة ، وروي نحوه عن أبيّ بن كعب ، وقالت فرقة بل أشار إلى أخذ الميثاق على كل واحد منهم عند بعثه وإلى إلقاء الرسالة إليه وأوامرها ومعتقداتها ، وذكر اللّه تعالى
النَّبِيِّينَ
جملة ، ثم خصص بالذكر أفرادا منهم تشريفا وتخصيصا ، إذ هؤلاء الخمسة صلى اللّه عليهم هم أصحاب الكتب والشرائع والحروب الفاصلة على التوحيد وأولو العزم ، ذكره الثعلبي ، وقدم ذكر محمد على مرتبته في الزمن تشريفا خاصا له أيضا ، وروي عنه عليه السلام أنه قال : « كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث » ، وكرر « أخذ الميثاق » لمكان الصفة التي وصف بها قوله
غَلِيظاً
إشعار بحرمة هذا الميثاق وقوتها ، واللام في قوله
لِيَسْئَلَ
متعلقة ب
أَخَذْنا
، ويحتمل أن تكون لام كي ، أي بعثت الرسل وأخذت عليها المواثيق في التبليغ لكي يجعل اللّه خلقه فرقتين ، فرقة صادقة يسألها عن صدقها على معنى إقامة الحجة والتقرير كما قال لعيسى عليه السلام « أأنت قلت للناس » فتجيبه بأنها قد صدقت اللّه في إيمانها وجميع أفعالها فيثيبها على ذلك ، وفرقة كفرت فينالها ما أعد لها من العذاب الأليم ويحتمل أن تكون اللام في قوله
لِيَسْئَلَ
لام الصيرورة ، أي أخذ المواثيق على الأنبياء ليصير الأمر إلى كذا والأول أصوب ، والصدق في هذه الآية يحتمل أن يكون المضاد للكذب في القول ، ويحتمل أن يكون من صدق الأفعال واستقامتها ، ومنه عود صدق وصدقني السيف والمال ، وقال مجاهد
الصَّادِقِينَ
في هذه الآية أراد بهم الرسل ، أي يسألهم عن تبليغهم ، وقال أيضا أراد المؤدين المبلغين عن الرسل وهذا كله محتمل ، وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
الآيات إلى قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ
[ الأحزاب : 28 ] .
نزلت في شأن غزوة الخندق وما اتصل بها من أمر بني قريظة ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أجلى بني النضير من موضعهم عند المدينة إلى خيبر ، فاجتمعت جماعة منهم ومن غيرهم من اليهود ، وخرجوا إلى مكة مستنهضين قريشا إلى حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وحرضوهم على ذلك ، وأجمعت قريش السير إلى المدينة ، ونهض اليهود إلى غطفان وبني أسد ومن أمكنهم من أهل نجد وتهامة ، فاستنفروهم إلى ذلك ، فتحزب الناس وساروا إلى المدينة ، واتصل الخبر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فحفر الخندق حول ديار بالمدينة وحصنه ، وكان أمرا لم تعهده العرب ، وإنما كان من أعمال فارس والروم ، وأشار به سلمان الفارسي رضي اللّه عنه ، فورد الأحزاب من قريش وكنانة والأحابيش في نحو عشرة آلاف