تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
تعالى فيهم
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ
[ الزمر : 17 ] إلى قوله
أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ
[ الزمر : 18 ] . ثم توعد عزّ وجل بالبعث من القبور والرجوع إليه للجزاء والتوقيف على صغير الأعمال وكبيرها . قوله عزّ وجل :

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 16 إلى 19 ]

يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 17 ) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 18 ) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 ) المعنى وقال لقمان
يا بُنَيَّ
، وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة اللّه تعالى وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه ، لأن « الخردلة » يقال إن الحس لا يقدر لها ثقلا إذ لا ترجح ميزانا ، وقد نطقت هذه الآية بأن اللّه تعالى قد أحاط بها علما . وقوله
مِثْقالَ حَبَّةٍ
عبارة تصلح للجواهر ، أي قدر حبة ، وتصلح للأعمال أي ما تزنه على جهة المماثلة قدر حبة ، وظاهر الآية أنه أراد شيئا من الأشياء خفيا قدر حبة ، ويؤيد ذلك ما روي من أن ابن لقمان سأل أباه عن الحبة تقع في مقل البحر يعلمها اللّه ، فراجعه لقمان بهذه الآية . وذكر كثير من المفسرين أنه أراد الأعمال المعاصي والطاعات ، ويؤيد ذلك قوله
يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
أي لا تفوت ، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف منضاف ذلك إلى تبيين قدرة اللّه تعالى ، وفي القول الآخر ليس ترجية ولا تخويف . ومما يؤيد قول من قال هي من الجواهر قراءة عبد الكريم الجزري « فتكنّ » بكسر الكاف وشد النون من الكن الذي هو الشيء المغطى ، وقرأ جمهور القراء « إن تك » بالتاء من فوق « مثقال » بالنصب على خبر « كان » واسمها مضمر تقديره مسألتك على ما روي ، أو المعصية أو الطاعة على القول الثاني . ولهذا المقدر هو الضمير في
إِنَّها
. وقرأ نافع وحده بالتاء أيضا « مثقال » بالرفع على اسم « كان » وهي التامة ، وأسند إلى المثقال فعلا فيه علامة التأنيث من حيث انضاف إلى مؤنث هو منه وهذا كقول الشاعر : [ الطويل ]
مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مرّ الرياح النواسم
وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر . وقوله
فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ
، قيل أراد الصخرة التي عليها الأرض والحوت والماء وهي على ظهر ملك وقيل هي صخرة في الريح . قال القاضي أبو محمد : وهذا كله ضعيف لا يثبته سند ، وإنما معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم ، أي أن قدرته تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء وفي الأرض . وقرأ قتادة « فتكن » بكسر الكاف والتخفيف من وكن يكن ، وتقدمت قراءة عبد الكريم « فتكنّ » . وقوله
يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
إن أراد الجواهر فالمعنى
يَأْتِ بِهَا
إن احتيج إلى ذلك أو كانت رزقا ونحو هذا ، وإن أراد الأعمال فمعناه
يَأْتِ
بذكرها وحفظها فيجازي عليها بثواب أو عقاب . و
لَطِيفٌ خَبِيرٌ
صفتان لائقتان بإظهار غرائب
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 350 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى