وهي في اللام بمعنى من أجل أن حسبوا أن إيمانهم علة للترك ، و
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
، يريد بهم المؤمنين مع الأنبياء في سالف الدهر ، وقرأ الجمهور « فليعلمن » بفتح الياء واللام الثانية ، ومعنى ذلك ليظهرن عليهم ويوجدن منهم ما علمه أزلا ، وذلك أن علمه بذلك قديم وإنما هذه عبارة عن الإيجاد بالحالة التي تضمنها العلم القديم ، والصدق والكذب على بابهما أي من صدق فعله قوله ومن كذبه ونظير هذا قول زهير :
[ البسيط ]
ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا * ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
قال النقاش ، قيل إن الإشارة ب
صَدَقُوا
هي إلى مهجع مولى عمر بن الخطاب لأنه أول قتيل قتل من المؤمنين يوم بدر ، وقالت فرقة : إنما هي استعارة وإنما أراد بها الصلابة في الدين أو الاضطراب فيه وفي جهاد العدو ونحو هذا ، وقرأ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه « فليعلمن » بضم الياء وكسر اللام ، وهذه القراءة تحتمل ثلاثة معان أحدها أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا ، بمعنى يوقفهم على ما كان منهم ، والثاني أن يكون المفعول الأول محذوفا تقديره ليعلمن الناس أو العالم هؤلاء الصادقين والكاذبين ، أي يفضحهم ويشهرهم ، هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر ، وذلك في الدنيا والآخرة ، والثالث أي يكون ذلك من العلامة أي لكل طائفة علما تشهر به ، فالآية على هذا ينظر إليها قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « من أسر سريرة ألبسه اللّه رداءها » وعلى كل معنى منها ففيها وعد للمؤمنين الصادقين ووعيد للكافرين ، وقرأ الزهري الأولى كقراءة الجمهور والثانية كقراءة عليّ رضي اللّه عنه .
قوله عزّ وجل :
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 4 إلى 7 ]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 4 ) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 5 ) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 6 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 7 )
أَمْ
معادلة للألف في قوله
أَ حَسِبَ
[ العنكبوت : 1 ] وكأنه عزّ وجل قرر الفريقين ، قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يفتنون وقرر الكافرين
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
في تعذيب المؤمنين وغير ذلك على ظنهم أنهم يسبقون عقاب اللّه ويعجزونه ، وقوله تعالى :
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
، وإن كان الكفار المراد الأول بحسب النازلة التي الكلام فيها فإن لفظ الآية يعم كل عاص وعامل سيئة من المسلمين وغيرهم ، وقوله
ساءَ ما يَحْكُمُونَ
يجوز أن يكون
ما
بمعنى الذي فهي في موضع رفع ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير ساء حكما يحكمونه ، وقال ابن كيسان :
ما
مع
يَحْكُمُونَ
في موضع المصدر كأنه قال : ساء حكمهم ، وفي هذه الآية وعيد للكفرة الفاتنين ، وتأنيس وعده بالنصر للمؤمنين