بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
سورة العنكبوت
هذه السورة مكية . إلا الصدر منها العشر الآيات فإنها مدنية نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة ، وفي هذا الفصل اختلاف وهذا أصح ما قيل فيه .
قوله عزّ وجل :
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 1 إلى 3 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ( 3 )
تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور ، وقرأ ورش « ألم احسب » بفتح الميم من غير همز بعدها وذلك على تخفيف الهمزة وإلقاء حركتها على الميم ، وهذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة ، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام ، فكانت صدورهم تضيق لذلك ، وربما استنكر أن يمكن اللّه الكفرة من المؤمنين قال مجاهد وغيره ، فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة اللّه تعالى في عباده اختبارا للمؤمنين وفتنة ليعلم الصادق ويري ثواب اللّه له ويعلم الكاذب ويري عقابه إياه .
قال القاضي أبو محمد : وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب وفي هذه الجماعة فهي بمعناها باقية في أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، موجود حكمها بقية الدهر ، وذلك أن الفتنة من اللّه تعالى والاختبار باق في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك ، وإذا اعتبر أيضا كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن ولكن التي تشبه نازلة المؤمنين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر ، وقال عبد اللّه بن عبيد بن عمير : نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في اللّه تعالى ونظرائه ، وقال الشعبي : سبب الآية ما كلفه المؤمنون من الهجرة ، فهي الفتنة التي لم يتركوا دونها ، لا سيما وقد لحقهم بسببها أن اتبعهم الكفار وردوهم وقاتلوهم ، فقتل من قتل ونجا من نجا ، وقال السدي :
نزلت في مسلمين كانوا بمكة وكرهوا الجهاد والقتال حين فرض على النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة ، و « حسب » ، معناه ظن ، و
أَنْ
نصب ب « حسب » وهي والجملة التي بعدها تسد مسد مفعولي « حسب » و
أَنْ
الثانية في موضع نصب على تقدير إسقاط حرف الخفض تقديره « بأن يقولوا » ، ويحتمل أن يقدر « لأن يقولوا » ، والمعنى في الباء واللام مختلف وذلك أنه في الباء كما تقول تركت زيدا بحاله ،