تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
اختلف الناس في معنى « تفقده الطير » ، فقالت فرقة ذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك والتهمم بكل جزء منها . قال القاضي أبو محمد : وظاهر الآية أنه تفقد جميع الطير ، وقالت فرقة : بل « تفقد الطير » لأن الشمس دخلت من موضع
الْهُدْهُدَ
حين غاب ، فكان ذلك سبب تفقد الطير ليبين من أين دخلت الشمس ، وقال عبد اللّه بن سلام إنما طلب
الْهُدْهُدَ
لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض ، لأنه كان نزل في مفازة عدم فيها الماء ، وأن
الْهُدْهُدَ
كان يرى باطن الأرض وظاهرها كانت تشف له وكان يخبر سليمان بموضع الماء ، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة تسلخ عنه وجه الأرض كما تسلخ شاة قاله ابن عباس فيما روي عن أبي سلام وغيره ، وقال في كتاب النقاش كان
الْهُدْهُدَ
مهندسا ، وروي أن نافع بن الأزرق سمع ابن عباس يقول هذا فقال له : قف يا وقاف كيف يرى
الْهُدْهُدَ
باطن الأرض وهو لا يرى الفخ حين يقع فيه . فقال له ابن عباس رضي اللّه عنه : إذا جاء القدر عمي البصر . وقال وهب بن منبه : كانت الطير تنتاب سليمان كل يوم من كل نوع واحد نوبة معهودة ففقد
الْهُدْهُدَ
، وقوله
ما لِيَ لا أَرَى
إنما مقصد الكلام
الْهُدْهُدَ
غاب لكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم ، وهذا ضرب من الإيجاز ، والاستفهام الذي في قوله
ما لِيَ
، ناب مناب الألف التي تحتاجها أم ، ثم توعده عليه السلام بالعذاب ، وروي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن تنتف ، قال ابن جريج : ريشه أجمع ، وقال يزيد بن رومان : جناحاه ، وروى ابن وهب أنه بأن تنتف أجمع وتبقى بضعة تنزو ، و « السلطان » الحجة حيث وقع في القرآن ، قاله عكرمة عن ابن عباس ، وقرأ ابن كثير وحده « ليأتينني » بنونين ، وفعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظا عن العاصين وعقابا على إخلاله بنوبته ورتبته ، وقرأ جمهور القراء ، « فمكث » بضم الكاف ، وقرأ عاصم وحده « فمكث » بفتحها ، ومعناه في القراءتين أقام ، والفتح في الكاف أحسن لأنها لغة القرآن في قوله
ماكِثِينَ
[ الكهف : 3 ] إذ هو من مكث بفتح الكاف ، ولو كان من مكث بضم الكاف لكان جمع مكيث ، والضمير في « مكث » يحتمل أن يكون لسليمان أو ل
الْهُدْهُدَ
، وفي قراءة ابن مسعود « فتمكث ثم جاء فقال » وفي قراءة أبي بن كعب « فتمكث » ثم قال
أَحَطْتُ
وقوله
غَيْرَ بَعِيدٍ
كما في مصاحف الجمهور يريد به في الزمن والمدة ، وقوله
أَحَطْتُ
أي علمت علما تاما ليس في علمك ، واختلف القراء في
سَبَإٍ
، فقرأ جمهور القراء « سبأ » بالصرف . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « سبأ » بفتح الهمزة وترك الصرف ، وقرأ الأعمش « من سبإ » بالكسر وترك الصرف وروى ابن حبيب عن اليزيدي « سبا » بألف ساكنة ، وقرأ قنبل عن النبال بسكون الهمزة ، فالأولى على أنه اسم رجل وعليه قول الشاعر : [ البسيط ]
الواردون وتيم في ذرى سبإ * قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس
وقال الآخر : « من سبأ الحاضرين مآرب » ، وهذا على أنها قبيلة والثانية على أنها بلدة ، قاله الحسن