تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
المحدودين
شَهادَةً أَبَداً
وهذا يقتضي مدة أعمارهم ، ثم حكم عليهم بأنهم « فاسقون » أي خارجون عن طاعة اللّه عزّ وجل ، ثم استثنى عزّ وجل من تاب وأصلح بعد القذف فإنه وعدهم بالرحمة والمغفرة ، فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف : جلده ، ورد شهادته أبدا ، وفسقه ، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع وعامل في فسقه بإجماع ، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة ، فقال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن والثوري وأبو حنيفة لا يعمل الاستثناء في رد شهادته وإنما يزول فسقه عند اللّه تعالى ، وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال ، وقال جمهور الناس الاستثناء عامل في رد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ، ثم اختلفوا في صورة توبته فمذهب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه ، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع تابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما ، وأبى أبو بكرة من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات ، وقال مالك رحمه اللّه وغيره توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب ، واختلف فقهاء المالكيين متى تسقط شهادة القاذف ، فقال ابن الماجشون بنفس قذفه ، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته ، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي شهادته في مدة الأجل في الإثبات موقوفة ، ورجح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف ، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقي على عدالته . و
تابُوا
معناه رجعوا وهذا ترجيح ، وقد رجح الطبري وغيره قول مالك واختلف أيضا على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز شهادته ، فقال مالك رحمه اللّه تجوز في كل شيء بإطلاق وكذلك كل من حد في شيء من الأشياء ، وقال سحنون رحمه اللّه من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه ، وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنى فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنى ولا في قذف ولا في لعان ، وإن كان عدلا ، ورويا هذا القول عن مالك واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أن شهادته لا تجوز في الزنا . قوله عزّ وجل :

[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 6 إلى 10 ]

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 6 ) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 7 ) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ( 8 ) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 9 ) وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ( 10 ) لما نزلت الآية المتقدمة في
الَّذِينَ يَرْمُونَ
[ النور : 4 ] تناول ظاهرها الأزواج وغيرهن ، فقال سعد بن عبادة يا رسول اللّه إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة واللّه لأضربنه بالسيف غير مصفح ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه واللّه أغير مني » ، وفي ألفاظ سعد روايات مختلفة هذا نحو معناها ، ثم جاء بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك