والجهة على اللّه تعالى محال ، وقد قال جماعة من المفسرين لما وجب من حمل الآية على المجاز : معناه يحاربون أولياء اللّه ؛ وعبّر بنفسه العزيزة سبحانه عن أوليائه إكبارا لإذايتهم ، كما عبّر بنفسه عن الفقراء في قوله تعالى « 1 » :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
؛ لطفا بهم ورحمة لهم ، وكشفا للغطاء عنه
بقوله في الحديث الصحيح : عبدي مرضت فلم تعدني ، وجعت فلم تطعمني ، وعطشت فلم تسقني ، فيقول : وكيف ذلك وأنت ربّ العالمين ؟
فيقول : مرض عبدي فلان ، ولو عدته لوجدتني عنده .
وذلك كلّه على الباري سبحانه محال ، ولكنه كنى بذلك عنه تشريفا له ، كذلك في مسألتنا مثله .
وقد قال المفسرون : إن الحرابة هي الكفر ، وهي معنى صحيح ؛ لأنّ الكفر يبعث على الحرب ؛ وهذا مبيّن في مسائل الخلاف .
المسألة الثانية : في سبب نزولها ، وفيها خمسة أقوال :
الأول - أنها نزلت في أهل الكتاب ؛ نقضوا العهد ، وأخافوا السبيل ، وأفسدوا في الأرض ، فخيّر اللّه نبيه فهم .
الثاني - نزلت في المشركين ؛ قاله الحسن .
الثالث -
نزلت في عكل أو عرينة « 2 » ، قدم منهم نفر على النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة وتكلّموا بالإسلام ، فقالوا : يا نبي اللّه ؛ إنا كنا أهل ضرع ، ولم نكن أهل ريف ، واستوخموا المدينة ، فأمر لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذود « 3 » وراع ، وأمرهم أن يخرجوا فيه ، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرّة كفروا بعد إسلامهم ، وقتلوا راعى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، واستاقوا الذّود ؛ فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فبعث الطلب في آثارهم ، فأمر بهم فسملوا « 4 » أعينهم ، وقطعوا أيديهم ، وتركوا في ناحية الحرّة « 5 » حتى ماتوا على حالهم .
وقال قتادة : فبلغنا أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بعد ذلك كان يحثّ على الصدقة وينهى عن المثلة .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية 245 .
( 2 ) في القرطبي ( 6 - 148 ) : نزلت في العرنيين .
( 3 ) في القرطبي : بلقاح . والذود من الإبل : ما بين الثلاث إلى العشر .
( 4 ) سمل عينه : فقأها .
( 5 ) الحرة : أرض خارج المدينة ذات حجارة سود .