بقاء الخلق بعده ، وإمّا لأنه مأثوم ومخلد كمن قتل الناس جميعا على أحد القولين ، واختاره مجاهد ، وإليه أشار الطبري في الجملة ، وعكسه في الإحياء مثله .
الثالث - قد قال بعض المتأخرين : إن معناه يقتل بمن قتل ، كما لو قتل الخلق أجمعين ، ومن أحياها بالعفو فكأنما أحيا الناس أجمعين .
الرابع - أن على جميع الخلق ذمّ القاتل ، كما عليهم إذا عفا مدحه ، وكلّ واحد منهما مجاز .
وبعضها أقرب من بعض .
الآية الحادية عشرة - قوله تعالى « 1 » :
مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
:
فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى - هذا مبنيّ على الأصل المتقدم من أن شرع من قبلنا شرع لنا ، أعلمنا اللّه به وأمرنا باتّباعه .
المسألة الثانية - قوله تعالى :
أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ
:
اختلف فيه ، فقيل : هو الكفر . وقيل : هو إخافة السبيل . وقيل غير ذلك مما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى .
وأصل ( فسد ) في لسان العرب تعذّر المقصود وزوال المنفعة ؛ فإن كان فيه ضرر كان أبلغ ، والمعنى ثابت بدونه ، قال اللّه سبحانه « 2 » :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
؛ أي لعدمتا ، وذهب المقصود . وقال اللّه سبحانه « 3 » :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
؛ وهو الشرك أو الإذاية للخلق ، والإذاية أعظم من سدّ السبيل ، ومنع الطريق .
ويشبه أن يكون الفساد المطلق ما يزيف مقصود المفسد ، أو يضرّه ، أو ما يتعلق بغيره .
والفساد في الأرض هو الإذاية للغير . والإذاية للغير على قسمين : خاص ، وعام ؛ ولكلّ نوع منها جزاؤه الواقع وحدّه الرادع ، حسبما عيّنه الشرع ، وإن كان على العموم فجزاؤه ما في الآية بعد هذه من القتل والصلب .
هامش
( 1 ) من الآية الثانية والثلاثين السابقة .
( 2 ) سورة الأنبياء ، آية 22
( 3 ) سورة البقرة ، آية 205 .