وقال الآخرون الذين لا يرون ترتيب الوضوء : إن هذا القول صحيح فيما إذا كان جواب الشرط معنى واحدا ؛ فأما إذا كانت جملا كلّها جوابا وجزاء لم نبال بأيهما بدأت ؛ إذ المطلوب تحصيلها . وهذا قول له رونق وليس بمحقق ، قال اللّه سبحانه وتعالى :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
؛ فبدأ بالوجه وعطف عليه غيره ، فالنظر الصحيح في ذلك أن يقال : تجب البداءة بما بدأ اللّه به وهو الوجه ، كما
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم حين حجّ وجاء إلى الصفا : نبدأ بما بدأ اللّه به ، وكانت البداءة بالصّفا واجبة .
ويعضد هذا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم توضّأ عمره كله مرتّبا ترتيب القرآن ، وفعله هذا بيان مجمل كتاب اللّه تعالى ، وبيان المجمل « 1 » الواجب واجب ، وهي مسألة خلاف عظمى قد بيناها في مسائل الخلاف ، وهذا هو الذي يختار فيها .
المسألة الحادية عشرة - قوله عز وجل :
فَاغْسِلُوا
:
وظنّ الشافعىّ - وهو عند أصحابه معد بنى عدنان في الفصاحة بله أبي حنيفة وسواه - أن الغسل صبّ الماء على المغسول من غير عرك « 2 » ، وقد بينا فساد ذلك في مسائل الخلاف ، وفي سورة النساء « 3 » ، وحققنا أنّ الغسل مر « 4 » اليد مع إمرار الماء أو ما في معنى اليد .
المسألة الثانية عشرة - الغسل يقتضى مغسولا مطلقا ومغسولا به ؛ وسيأتي بيانه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى .
المسألة الثالثة عشرة - قوله تعالى :
وُجُوهَكُمْ
:
والوجه في اللغة : ما برز من بدنه وواجه غيره به ، وهو أبين من أن يبيّن ، وأوجه من أن يوجّه ، وهو عند العرب عضو يشتمل على جملة أعضاء ، ومحلّ من الجسد فيه أربع طرق للعلوم ، وله طول وعرض ، وهو أيضا بيّن إلا أنه أشكل على الفقهاء منه ستة معان :
الأول - إذا اكتسى الذّقن بالشعر ، فإنه قد انتقل الفرض فيما يقابله إلى الشعر قطعا ونفى الزائد عليه ، وهو ما استرسل من اللحية ، ويحتمل أن يكون فرضا ؛ لأنّه قد اتصل بالوجه وواجه كما يواجه ، فيكون فرضا غسله مثل الوجه ، ويحتمل أن يكون ندبا ، وبالأول
هامش
( 1 ) في ل : المحتمل .
( 2 ) عرك الشيء : دلكه .
( 3 ) في الآية 43 .
( 4 ) في ا : من .