تقول : أشهد عندك ، أي حضرت لأؤدّى عندك ما علمت ، وأداؤها بلفظ الشهادة بعيد لا درك عند العلماء لمعناه ، ولا يجزى غيره عنه .
المسألة الخامسة - قوله تعالى :
بَيْنِكُمْ
:
قال بعض علمائنا : معناه شهادة ما بينكم ، فحذفت ما ، وأضيفت الشهادة إلى الظرف ، استعمل البين اسما على الحقيقة ، كما قال تعالى « 1 » :
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
. وأنشدوا :
تصافح من لاقيت لي ذا عداوة * صفاحا وعنى غيب « 2 » عينيك منزوى
وأنشدوا :
وأهل خباء صالح ذات بينهم * قد احتربوا في عاجل أتى آجله
وتحقيق القول فيه أنّ « بين » في أصله مصدر قولك : بان يبين بينا ؛ أي فارق ما كان مجتمعا معه ، وانفصل عما كان متّصلا به ،
ومنه حديث النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : ما أبين من حىّ فهو ميّت .
المعنى ما فصل من أعضاء الحيوان عنه حال حياته فهو ميته ؛ يعنى لا يحلّ أكله ؛ واستعمل ظرفا على معنى المصدر ، وهو باب من أبواب النحو ، تقول : بين الدار والمسجد مسافة . ولو كانا مجتمعين لم يكن بينهما بين ، أي موضع خال منهما . ولما كان الاجتماع على ضربين : اجتماع أجسام ، واجتماع معان ، وهي الأخلاق والأهواء جعل افتراق الأهواء كافتراق الأجسام ، واستعمل فيه « بين » الذي هو الافتراق فيهما جميعا .
والدليل عليه قول اللّه تعالى « 3 » :
وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
. وعلى هذا يحمل قوله : بيني وبينه رحم ، أي ما افترقنا إلا عن أصل واحد . وبيني وبينه شركة ؛ أي افترقنا في كل شيء إلا عن جمع المال المخصوص .
فقال أهل الصناعة : هو مصدر في المعاني ، ظرف في الأجسام لما كانت ذوات مساحات محسوسات فرقا بينها وبين المعاني ، والكلّ في الحقيقة تباين وتباعد وفرقة . ومنه قوله تعالى « 4 » :
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
مرفوعا ومنصوبا . المعنى : لقد تقطع تباعدكم وافتراقكم بحيث لا يكون له اتصال ؛ فإنّ الذي يبين على قسمين ، منه ما يرجى له اتصال ، ومنه ما لا يرجى له اتصال ، فيعبّر عنه بالتقطع .
هامش
( 1 ) سورة سبأ ، آية 33 .
( 2 ) في القرطبي : بين .
( 3 ) سورة فصلت ، آية 5
( 4 ) سورة الأنعام ، آية 94