تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
وقرأ جمهور الناس : « في أم » بضم الهمزة ، وقرأها بكسر الهمزة يوسف والي العراق وعيسى بن عمر . وقوله :
أَ فَنَضْرِبُ
بمعنى : أفنترك ، تقول العرب أضربت عن كذا وضربت إذا أعرضت وتركته . و :
الذِّكْرَ
هنا الدعاء إلى اللّه والتذكير بعذابه والتخويف من عقابه ، وقال أبو صالح :
الذِّكْرَ
هنا هو العذاب نفسه ، وقال الضحاك ومجاهد :
الذِّكْرَ
القرآن . وقوله تعالى :
صَفْحاً
انتصابه كانتصاب
صُنْعَ اللَّهِ
[ النمل : 88 ] ، فيحتمل أن يكون بمعنى العفو والغفر للذنب ، فكأنه يقول : أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفوا عنكم وغفرا لإجرامكم إذ كنتم أو من أجل أن كنتم قوما مسرفين ، أي هذا لا يصلح ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ، ويحتمل قوله :
صَفْحاً
أن يكون بمعنى مغفولا عنه ، أي نتركه يمر لا تؤخذون بقبوله ولا بتدبر ولا تنبهون عليه ، وهذا المعنى نظير قول الشاعر : [ الطويل ]
تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضا * ويصدع قلبي إن يهب هبوبها
أي تمر مغفولا عنها ، فكأن هذا المعنى : أفنترككم سدى ، وهذا هو منحى قتادة وغيره ، ومن اللفظة قول كثير : [ الطويل ]
صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة * فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت
وقرأ السميط بن عمرو السدوسي : « صفحا » بضم الصاد . وقرأ نافع وحمزة والكسائي : « إن كنتم » بكسر الألف ، وهو جزاء دل ما تقدم على جوابه . وقرأ الباقون والأعرج وقتادة : « أن كنتم » بفتح الألف . بمعنى من أجل أن ، وفي قراءة ابن مسعود : « إذ كنتم » . والإسراف في الآية : هو الكفر والضلال البعيد في عبادة غير اللّه عزّ وجل والتشريك به . وقوله تعالى :
وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ
الآيات تسلية لمحمد عليه السلام ، وذكر إسوة له ووعيد لهم وتهديد بأن يصيبهم ما أصاب من هو أشد بطشا . والأولون : هم الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، والضمير في قوله :
كانُوا
يَسْتَهْزِؤُنَ
ظاهره العموم والمراد به الخصوص فيمن استهزأ ، وإلا فقد كان في الأولين من لم يستهزئ ، والضمير في :
مِنْهُمْ
عائد على قريش . وقوله تعالى :
وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
أي سلف أمرهم وسنتهم ، وصاروا عبرة عابر الدهر . وقوله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
الآية ابتداء احتجاج على قريش يوجب عليهم التناقض في أمرهم ، وذلك أنهم يقرون أن الخالق الموجد لهم وللسماوات والأرض هو اللّه تعالى ، وهم مع ذلك يعبدون أصناما ويدعونها آلهتهم ، ومقتضى جواب قريش أن يقولوا « خلقهن اللّه » فلما ذكر تعالى المعنى جاءت العبارة عن اللّه ب
الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
ليكون ذلك توطئة لما عدد بعد من أوصافه التي ابتدأ الإخبار بها وقطعها من الكلام الذي حكى معناه عن قريش .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 46 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى