تجاوز الحد في وفاء ونقصان ، والمعنى والقرائن بحسب قول قول تبين المراد وهذا عندي جد صحيح ، وقد بين تعالى أن التطفيف إنما أراد به أمر الوزن والكيل ، و
اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ
معناه : قبضوا منهم و
كالُوهُمْ
معناه : قبضوهم ، يقال : كلت منك واكتلت عليك ، ويقال : وكلت لك فلما حذفت اللام تعدى الفعل ، قال الفراء والأخفش .
وأنشد أبو زيد : [ الكامل ]
ولقد جنتك أكمؤا وعساقلا * ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
وعلى هذا المعنى هي قراءة الجمهور ، وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين ويقف على « كالوا » و « وزنوا » بمعنى : هم يخسرون إذا كالوا ووزنوا . ورويت عن حمزة ، فقوله : « هم » تأكيد للضمير ، وظاهر هذه الآية يقتضي أن الكيل والوزن على البائع وليس ذلك بالجلي ، وصدر الآية هو في المشترين ، فذمهم بأنهم
يَسْتَوْفُونَ
ويشاحون في ذلك ، إذ لا تمكنهم الزيادة على الاستيفاء لأن البائع يحفظ نفسه ، فهذا مبلغ قدرتهم في ترك الفضيلة والسماحة المندوب إليها ، ثم ذكر أنه إذا باعوا أمكنهم من الظلم والتطفيف أن يخسروا لأنهم يتولون الكيل للمشتري منهم وذلك بحالة من يخسر البائع إن قدر ، و
يُخْسِرُونَ
معدى بالهمزة يقال : خسر الرجل وأخسره غيره ، والمفعول ل
كالُوهُمْ
محذوف ، ثم وقفهم تعالى على أمر القيامة وذكرهم بها وهذا مما يؤيد أنها نزلت بالمدينة في قوم من المؤمنين وأريد بها مع ذلك من غبر من الأمة ، و
يَظُنُّ
هنا بمعنى : يعلم ويتحقق ، و « اليوم العظيم » : يوم القيامة ، و
يَوْمَ
ظرف عمل فيه فعل مقدر يبعثون ونحوه ، وقال الفراء : هو بدل من
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ
، لكنه بني ويأبى ذلك البصريون ، لأنه مضاف إلى معرب ، وقام الناس فيه
لِرَبِّ الْعالَمِينَ
يختلف الناس فيه بحسب منازلهم ، فروى عبد اللّه بن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يقام فيه خمسين ألف سنة » . وهذا بتقدير شدته ، وقيل : ثلاثمائة سنة ، قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال ابن عمر : مائة سنة وقيل ثمانون سنة ، وقال ابن مسعود :
أربعون سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يؤمرون ولا يكلمون ، وقيل غير هذا ، ومن هذا كله آثار مروية ومعناها : إن لكل قوم مدة ما تقتضي حالهم وشدة أمرهم ذلك . وروي أن القيام فيه على المؤمن على قدر ما بين الظهر إلى العصر ، وروي عن بعض الناس : على قدر صلاة ، وفي هذا القيام هو إلجام العرق للناس ، وهو أيضا مختلف ، ويروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من طريق عقبة بن عامر : « أنه يلجم الكافر إلجاما » ، ويروى أن بعض الناس يكون فيه إلى أنصاف ساقيه وبعضهم إلى فوق ، وبعضهم إلى أسفل .
قوله عزّ وجل :
[ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 7 إلى 17 ]
كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ( 7 ) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ( 8 ) كِتابٌ مَرْقُومٌ ( 9 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 10 ) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 11 )
وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ( 16 )
ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 17 )