قال القاضي أبو محمد : ويحتمل إن لم يصح أمر الوادي أن يكون الإخبار عن نفوذ القدر بذلك العذاب قد استعير له لفظ السيل لما عهد من نفوذ السيل وتصميمه ، وقرأ ابن عباس : « سال سيل » بسكون الياء ، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود : « سال سال » مثل قال قال ، ألقيت الياء من الخط تخفيفا ، والمراد « سائل » . وسؤال الكفار عن العذاب حسب قراءة الجماعة إنما كان على أنه كذب . فوصفه اللّه تعالى بأنه
واقِعٍ
وعيدا لهم . وقوله تعالى :
لِلْكافِرينَ
. قال بعض النحويين : اللام توصل المعنى توصيل « على » . وروي أنه في مصحف أبي بن كعب : « على الكافرين » ، وقال قتادة والحسن المعنى : كأن قائلا قال لمن هذا العذاب الواقع ؟ فقيل
لِلْكافِرينَ
. و
الْمَعارِجِ
في اللغة الدرج في الأجرام ، وهي هنا مستعارة في الرتب والفواضل والصفات الحميدة ، قاله قتادة وابن عباس . وقال ابن عباس :
الْمَعارِجِ
السماوات تعرج فيها الملائكة من سماء إلى سماء . وقال الحسن : هي المراقي إلى السماء ، وقوله :
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ
معناه : تصعد على أصل اللفظة في اللغة .
وَالرُّوحُ
عند جمهور العلماء : هو جبريل عليه السلام خصصه بالذكر تشريفا . وقال مجاهد :
الرُّوحُ
ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني آدم لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة . وقال بعض المفسرين : هو اسم الجنس في أرواح الحيوان .
واختلف المتأولون في قوله تعالى :
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
. فقال منذر بن سعيد وجماعة من الحذاق : المعنى
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ
من أيامكم هذه مقدار المسافة أن لو عرجها آدمي خمسون ألف سنة ، وقاله ابن إسحاق فمن جعل « الروح » جبريل أو نوعا من الملائكة قال : المسافة هي من قعر الأرض السابعة إلى العرش ، قاله مجاهد . ومن جعل « الروح » جنس الحيوان قال المسافة من وجه هذه الأرض إلى منتهى العرش علوا ، قاله وهب بن منبه . وقال قوم المعنى :
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ
في نفسه
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
من أيامكم ، ثم اختلفوا في تعيين ذلك اليوم ، فقال عكرمة والحكم : أراد مدة الدنيا فإنها خمسون ألف سنة ، لا يدري أحد ما مضى منها ولا ما بقي ، فالمعنى
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ
في مدة الدنيا ، وبقاء هذه البنية ويتمكن على هذا في « الروح » أن يكون جنس أرواح الحيوان ، وقال ابن عباس وغيره : بل اليوم المشار إليه يوم القيامة ثم اختلفوا ، فقال بعضهم قدره في الطول قدر خمسين ألف سنة ، وهذا هو ظاهر قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له صفائح من نار يوم القيامة ، تكوى بها جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقداره ألف سنة » . وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري : بل قدره في هوله وشدته ورزاياه للكفار قدر
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
. وهذا كما تقول في اليوم العصيب ، إنه كسنة ونحو هذا قال أبو سعيد ، قيل يا رسول اللّه ما أطول يوما مقداره خمسون ألف سنة ، فقال : « والذي نفسي بيده ليخف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة » ، وقال عكرمة : المعنى كان مقدار ما ينقضي فيه من القضايا والحساب قدر ما ينقضي بالعدل في
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
من أيام الدنيا . وقد ورد في يوم القيامة أنه كألف سنة وهذا يشبه أن يكون في طوائف دون طوائف . والعامل في قوله
فِي يَوْمٍ
على قول من قال إنه يوم القيامة قوله
دافِعٌ
وعلى سائر الأقوال
تَعْرُجُ
، وقرأ جمهور القراء : « تعرج » بالتاء من فوق ، وقرأ الكسائي وحده : « يعرج » بالياء لأن التأنيث بالياء غير حقيقي ، وبالياء من تحت قرأ ابن مسعود لأنه كان يذكر الملائكة وهي قراءة