تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
عندي أن سلطان كل أحد حاله في الدنيا من عدد وعدد ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه » . قوله عزّ وجل :

[ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 30 إلى 40 ]

خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ ( 32 ) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ( 33 ) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 34 ) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ( 36 ) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ ( 37 ) فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَما لا تُبْصِرُونَ ( 39 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) المعنى يقول اللّه تعالى : أو الملك بأمره للزبانية ، خذوه واجعلوا على عنقه غلا ، قال ابن جرير : نزلت في أبي جهل ، و
ذَرْعُها
معناه مبلغ أذرع كيلها ، وقد جعل اللّه تعالى السبعمائة والسبعين والسبعة مواقف ونهايات لأشياء عظام ، فذلك مشي البشر : العرب وغيرهم على أن يجعلوها نهايات ، وهذه السلسلة من الأشياء التي جعل فيها السبعين نهاية . وقرأ السدي : « ذرعها سبعين » بالياء ، وهذا على حذف خبر الابتداء ، واختلف الناس في قدر هذا الذرع ، فقال محمد بن المنكدر وابن جرير وابن عباس : هو بذراع الملك ، وقال نوف البكالي وغيره : الذراع سبعون باعا في كل باع كما بين الكوفة ومكة ، وهذا يحتاج إلى سند ، وقال حذاق من المفسرين : هي بالذراع المعروفة هنا ، وإنما خوطبنا بما نعرفه ونحصله ، وقال الحسن : اللّه أعلم بأي ذراع هي : وقال السويد بن نجيح في كتاب الثعلبي : إن جميع أهل النار في تلك السلسلة ، وقال ابن عباس : لو وضع حلقة منها على جبل لذاب كالرصاص ، وقوله تعالى :
فَاسْلُكُوهُ
معناه : أدخلوه ، ومنه قول أبي وجزة السعدي يصف حمر وحش : [ البسيط ]
حتى سلكن الشوى منهن في مسك * من نسل جوابة الآفاق مهداج
وروي أن هذه السلسلة تدخل في فم الكافر وتخرج من دبره فهي في الحقيقة التي سلك فيها لكن الكلام جرى مجرى قولهم : أدخلت فمي في الحجر والقلنسوة في رأسي ، وروي أن هذه السلسلة تلوى حول الكافر حتى تغمه وتضغطه ، فالكلام على هذا على وجهه وهو المسلوك ، وقوله تعالى :
وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ
المراد به :
وَلا يَحُضُّ عَلى
إطعام
طَعامِ الْمِسْكِينِ
، وأضاف « الطعام » إلى
الْمِسْكِينِ
من حيث له إليه نسبة ما وخصت هذه الخلة من خلال الكافر بالذكر لأنها من أضر الخلال في البشر إذا كثرت في قوم هلك مساكنهم ، واختلف المتأولون في قوله :
حَمِيمٌ
، فقال جمهور من المفسرين : هو الصديق اللطيف المودة ، فنفى اللّه تعالى أن يكون للكافر هنالك من يواليه ، ونفى أن يكون له طعام
إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
، وقال محمد بن المستنير : « الحميم » الماء السخن ، فكأنه تعالى أخبر أن الكافر ليس له ماء ولا شيء مائع
وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
، و « الغسلين » فيما قال اللغويون : ما يجري من الجراح إذا غسلت ، وقال ابن عباس : هو صديد أهل النار . وقال قتادة وابن زيد : الغسلين والزقوم أخبث شيء وأبشعه ، وقال الضحاك والربيع : هو شجر يأكله أهل النار ، وقال بعض المفسرين : هو شيء من ضريع
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 361 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى