الخطاب في قوله تعالى :
تُعْرَضُونَ
لجميع العالم ، وروي عن أبي موسى الأشعري وابن مسعود أن في القيامة عرضتين فيهما معاذير وتوقيف وخصومات وجدال ، ثم تكون عرضة ثالثة تتطاير فيها الصحف بالأيمان والشمائل . وقرأ حمزة والكسائي : « لا يخفى » بالياء وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى ، وقرأ الباقون : بالتاء على مراعاة تأنيث
خافِيَةٌ
وهي قراءة الجمهور ، وقوله تعالى :
خافِيَةٌ
معناه ضمير ولا معتقد ، والذين يعطون كتبهم بأيمانهم هم المخلدون في الجنة أهل الإيمان . واختلف العلماء في الفرقة التي ينفذ فيها الوعيد من أهل المعاصي متى تأخذ كتبها ، فقال بعضهم الأظهر أنها تأخذها مع الناس ، وذلك يؤنسها مدة العذاب ، قال الحسن : فإذا أعطى كتابه بيمينه لم يقرأه حتى يأذن اللّه تعالى له ، فإذا أذن له قال :
هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ
، وقال آخرون : الأظهر أنه إذا أخرجوا من النار والإيمان يؤنسهم وقت العذاب .
قال القاضي أبو محمد : وهذا ظاهر هذه الآية ، لأن من يسير إلى النار فكيف يقول
هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ
؟ وأما قوله
هاؤُمُ
، فقال قوم : أصله هاوموا ، ثم نقله التخفيف والاستعمال ، وقرأ آخرون هذه الميم ضمير الجماعة ، وفي هذا كله نظر . والمعنى على كل تعالوا ، فهو استدعاء إلى الفعل المأمور به ، وقوله تعالى :
اقْرَؤُا كِتابِيَهْ
هو استبشار وسرور ، وقوله :
ظَنَنْتُ
الآية ، عبارة عن إيمانه بالبعث وغيره ، قال قتادة : ظن هذا ظنا يقينا فنفعه ، وقوم ظنوا ظن الشك فشقوا به ، و
ظَنَنْتُ
هنا واقعة موقع تيقنت وهي في متيقن لم يقع بعد ولا خرج إلى الحس ، وهذا هو باب الظن الذي يوقع موقع اليقين ، وقرأ بعض القراء : « كتابيه » و « حسابيه » و « ماليه » و « سلطانيه » بالهاء في الوصل والوقف اقتداء بخط المصحف ، وهي في الوصل بينة الوقوف لأنها هاء السكت ، فلا معنى لها في الوصل ، وطرح الهاءات في الوصل لا في الوقف الأعمش وابن أبي إسحاق ، قال أبو حاتم : قراءتنا إثبات في الوقف وطرح في الوصل ، وبذلك قرأ ابن محيصن وسلام ، وقال الزهراوي في إثبات الهاء في الوصل لحن لا يجوز عنه أحد علمته ، و
راضِيَةٍ
معناه : ذات رضى فهو بمعنى مرضية ، وليست بناء اسم فاعل ، و
عالِيَةٍ
معناه في المكان والقدر وجميع وجوه العلو ، و « القطوف » : جمع قطف وهو يجتنى من الثمار ويقطف ، ودنوها : هو أنها تأتي طوع المتمنى فيأكلها القائم والقاعد والمضطجع بفيه من شجرتها ، و
أَسْلَفْتُمْ
معناه : قدمتم : و « الأيام » : هي أيام الدنيا لأنها في الآخرة قد خلت وذهبت . وقال وكيع وابن جبير وعبد العزيز بن رفيع : المراد
بِما أَسْلَفْتُمْ
من الصوم وعمومها في كل الأعمال أولى وأحسن ، والذين يؤتون كتابهم بشمائلهم : هم المخلدون في النار أهل الكفر فيتمنون أن لو كانوا معدومين لا يجري عليهم شيء ، وقوله تعالى :
يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ
إشارة إلى موتة الدنيا ، أي ليتها لم يكن بعدها رجوع ولا حياة ، وقوله تعالى :
ما أَغْنى
يحتمل أن يريد الاستفهام على معنى التقرير لنفسه والتوبيخ ، ويحتمل أن يريد النفي المحض ، و « السلطان » في الآية :
الحجة على قول عكرمة ومجاهد ، قال بعضهم ونحا إليه ابن زيد ينطق بذلك ملوك الدنيا الكفرة ، والظاهرة