تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
وقولهم :
انْظُرُونا
معناه : انتظرونا ، ومنه قول الحطيئة : [ البسيط ]
وقد نظرتكم أبناء عائشة * للخمس طال بها حبسي وتبساسي
وقرأ حمزة وحده وابن وثاب وطلحة والأعمش : « أنظرونا » بقطع الألف وكسر الظاء على وزن أكرم . ومنه قول عمرو بن كلثوم : [ الوافر ]
أبا هند فلا تعجل علينا * وأنظرنا نخبّرك اليقينا
ومعناه : أخرونا ، ومنه النظرة إلى الميسرة ، وقول النبي عليه السلام : « من انظر معسرا » الحديث ، ومعنى قولهم : أخرونا ، أخروا مشيكم لنا حتى نلحق ف
نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ
، واقتبس الرجل واستقبس أخذ من نور غيره قبسا . وقوله تعالى :
قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ
يحتمل أن يكون من قول المؤمنين ، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة . وقوله :
وَراءَكُمْ
حكى المهدوي وغيره من المفسرين أنه لا موضع له من الإعراب ، وأنه كما لو قال ارجعوا ارجعوا ، وأنه على نحو قول أبي الأسود الدؤلي للسائل : وراءك أوسع لك . قال القاضي أبو محمد : ولست أعرف مانعا يمنع من أن يكون العامل فيه
ارْجِعُوا
، والقول لهم :
فَالْتَمِسُوا نُوراً
هو على معنى التوبيخ لهم ، أي أنكم لا تجدونه . ثم أعلم عزّ وجل أنه يضرب بينهم في هذه الحال
بِسُورٍ
حاجز ، فيبقى المنافقون في ظلمة ويأخذهم العذاب من اللّه ، وحكي عن ابن زيد أن هذا السور هو الأعراف المذكور في سورة « الأعراف » وقد حكاه المهدوي ، وقيل هو حاجز آخر غير ذلك ، وقال عبد اللّه بن عمر وكعب الأحبار وعبادة بن الصامت وابن عباس : هو الجدار الشرقي في مسجد بيت المقدس . وقال زياد بن أبي سوادة : قام عبادة على السور الشرقي من بيت المقدس فبكى وقال : من هاهنا أخبرنا النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه رأى جهنم . قال القاضي أبو محمد : وفيه باب يسمى باب الرحمة ، سماه في تفسير هذه الآية عبادة وكعب . وفي الشرق من الجدار المذكور واد يقال له : وادي جهنم ، سماه في تفسير هذه الآية عبد اللّه بن عمر وابن عباس ، وهذا القول في السور بعيد ، واللّه أعلم وقال قتادة وابن زيد ،
الرَّحْمَةُ
: الجنة . و
الْعَذابُ
: جهنم . والسور في اللغة الحجي الذي للمدن وهو مذكور . والسور أيضا جمع سورة ، وهي القطعة من البناء ينضاف بعضها إلى بعض حتى يتم الجدار ، فهذا اسم جمع يسوغ تذكيره وتأنيثه ، وهذا الجمع هو الذي أراد جرير في قوله : [ الكامل ]
لما أتى خبر الزبير تضعضعت * سور المدينة والجبال الخشع
وذلك أن المدينة لم يكن لها قط حجي ، وأيضا فإن وصفه أن جميع ما في المدينة من بناء تواضع