تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
المصدر بل هي جميع الموجودات ، لأن الأمر والشيء والوجود أسماء شائعة في جميع الموجودات أعراضها وجوهرها . وقرأ الجمهور : « ترجع » بضم التاء ، وقرأ الأعرج والحسن وابن أبي إسحاق : « ترجع » بفتح التاء . وقوله تعالى :
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ
الآية تنبيه على العبرة فيما يتجاذبه الليل والنهار من الطول والقصر ، وذلك متشعب مختلف حسب اختلاف الأقطار والأزمان الأربعة ، وذلك بحر من بحار الفكرة لمن تأمله .
وَيُولِجُ
معناه : يدخل . و : ذات
الصُّدُورِ
ما فيها من الأسرار والمعتقدات ، وذلك أغمض ما يكون . وهذا كما قالوا : الذئب مغبوط بذي بطنه ، وكما قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : إنما هو ذو بطن بنت خارجة . قوله تعالى :
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
الآية أمر للمؤمنين بالثبوت على الإيمان والنفقة في سبيل اللّه ، ويروى أن هذه الآية نزلت في غزوة العسرة وهي غزوة تبوك ، قاله الضحاك ، وقال : الإشارة بقوله :
فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا
إلى عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، وحكمها باق يندب إلى هذه الأفعال بقية الدهر . وقوله :
مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ
تزهيد وتنبيه على أن الأموال إنما تصير إلى الإنسان من غيره ويتركها لغيره ، وليس له من ذلك إلا ما تضمنه قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت » ويروى أن رجلا مر بأعرابي له إبل ، فقال له : يا أعرابي ، لمن هذه الإبل ؟ فقال : هي للّه عندي . فهذا موقف مصيب إن كان ممن صحب قوله عمله . وقوله تعالى :
وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
الآية توطئة لدعائهم وإيجاب لأنهم أهل هذه الرتب الرفيعة فإذا تقرر ذلك فلا مانع من الإيمان ، وهذا كما تريد أن تندب رجلا إلى عطاء فتقول له : أنت يا فلان من قوم أجواد فينبغي أن تكرم ، وهذا مطرد في جميع الأمور إذا أردت من أحد فعلا خلقته بخلق أهل ذلك الفعل وجعلت له رتبتهم ، فإذا تقرر في هؤلاء أن الرسول يدعو وأنهم ممن أخذ اللّه ميثاقهم فكيف يمتنعون من الإيمان . وقرأ جمهور القراء : « وقد أخذ » على بناء الفعل للفاعل . وقرأ أبو عمرو : « قد أخذ » على بناء الفعل للمفعول والآخذ على كل قول هو اللّه تعالى ، وهو الآخذ حين الإخراج من ظهر آدم على ما مضى في غير هذه السورة ، والمخاطبة ببناء الفعل للمفعول أشد غلظة على المخاطب ، ونحوه قوله تعالى :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[ هود : 112 ] وكما تقول لامرئ : افعل كما قيل لك ، فهو أبلغ من قولك : افعل ما قلت لك . وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
قال الطبري المعنى : إن كنتم مؤمنين في حال من الأحوال فالآن . قال القاضي أبو محمد : وهذا معنى ليس في ألفاظ الآية وفيه إضمار كثير ، وإنما المعنى عندي أن قوله : وإن الرسول
يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
، يقتضي أن يقدر بأثره : فأنتم في رتب شريفة وأقدار رفيعة إن كنتم مؤمنين ، أي إن دمتم على ما بدأتم به .