تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
وفي قوله تعالى :
سَنَفْرُغُ لَكُمْ
جرى على استعمال العرب ، ويحتمل أن يكون التوعد بعذاب في الدنيا والأول أبين . وقرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر : « سنفرغ » بضم الراء وبالنون . وقرأ الأعرج وقتادة : ذلك بفتح الراء والنون ، ورويت عن عاصم ، ويقال فرغ بفتح الراء وفرغ بكسرها . ويصح منهما جميعا أن يقال يفرغ بفتح الراء وقرأ عيسى بفتح النون وكسر الراء . وقال أبو حاتم : هي لغة سفلى مضر ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي : بالياء المفتوحة ، قرأ حمزة والكسائي : بضم الراء . وقرأ أبو عمرو : بفتحها . وقرأ الأعمش بخلاف ، وأبو حيوة : « سيفرغ » بضم الياء وفتح الراء وبناء الفعل للمفعول . وقرأ عيسى بن عمر أيضا : « سنفرغ » ، بفتح النون وكسر الراء . وفي مصحف عبد اللّه بن مسعود : « سنفرغ لكم أيها » . و
الثَّقَلانِ
الإنس والجن ، ويقال لكل ما يعظم أمره ثقل ، ومنه :
أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها
[ الزلزلة : 2 ] . وقال النبي عليه السلام : « إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي » . ويقال لبيض النعام ثقل . وقال لبيد : [ الكامل ]
فتذكرا ثقلا رئيدا بعد ما * ألقت ذكاء يمينها في كافر
وقال جعفر بن محمد الصادق رضي اللّه عنه : سمي الإنس والجن ثقلين ، لأنهما ثقلا بالذنوب وهذا بارع ينظر إلى خلقهما من طين ونار . وقرأ ابن عامر : « أيّه الثقلان » بضم الهاء . واختلف الناس في معنى قوله :
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا
الآية ، فقال الطبري ، قال قوم : في الكلام محذوف وتقديره : يقال لكم
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
، قالوا وهذه حكاية عن حال يوم القيامة في
يَوْمَ التَّنادِ
[ غافر : 32 ] على قراءة من شدد الدال . قال الضحاك : وذلك أنه يفر الناس في أقطار الأرض ، والجن كذلك ، لما يرون من هول يوم القيامة ، فيجدون سبعة صفوف من الملائكة قد أحاطت بالأرض ، فيرجعون من حيث جاءوا ، فحينئذ يقال لهم :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
. وقال بعض المفسرين : بل هي مخاطبة في الدنيا . والمعنى :
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
الفرار من الموت ب
أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. وقال ابن عباس المعنى : إن استطعتم بأذهانكم وفكركم أن تنفذوا فتعلموا علم أقطار السماوات والأرض . والأقطار : الجهات . وقوله :
فَانْفُذُوا
صيغة الأمر ومعناه التعجيز ، والسلطان هنا القوة على غرض الإنسان ، ولا يستعمل إلا في الأعظم من الأمر والحجج أبدا من القوي في الأمور ، ولذلك يعبر كثير من المفسرين عن السلطان بأنه الحجة . وقال قتادة : السلطان هنا الملك ، وليس لهم ملك ، والشواظ : لهب النار . قاله ابن عباس وغيره . وقال أبو عمرو بن العلاء : لا يكون الشواظ إلا من النار وشيء معها ، وكذلك النار كلها لا تحس إلا وشيء معها . وقال مجاهد : الشواظ ، هو اللهب الأخضر المتقطع ، ويؤيد هذا القول . قول حسان بن ثابت يهجو أمية بن أبي الصلت :
هجوتك فاختضعت حليفا ذل * بقافية تؤجج كالشواظ
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 230 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى