تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
تبليغ رسالته والظاهر في ذات ربه ، وقال عكرمة ، وفي هذه العشر الآيات ،
أَلَّا تَزِرُ
وما بعدها ، وقال ابن عباس وقتادة وغيره
وَفَّى
ما افترض عليه من الطاعات على وجهها وتكلمت له شعب الإيمان والإسلام فأعطاه اللّه براءته من النار . قال ابن عباس : وفي شرائع الإسلام ثلاثين سهما . وقال أبو أمامة ورفعه إلى النبي عليه السلام
وَفَّى
أربع صلوات في كل يوم ، والأقوى من هذه الأقوال كلها القول العام لجميع الطاعات المستوفية لدين الإسلام ، فروي أنها لم تفرض على أحد مكملة فوفاها الأعلى وإبراهيم ومحمد عليهما السلام ومن الحجة لذلك قوله تعالى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
[ البقرة : 124 ] . وقرأ ابن جبير وأبو مالك وابن السميفع : « وفي » مخففة الفاء ، والخلاف فيما وفي به كالخلاف فيما وفاه على القراءة الأولى التي فسرنا ، ورويت القراءة عن النبي عليه السلام ، وقرأها أبو أمامة . والوزر : الثقل ، وأنث الوازرة إما لأنه أراد النفس وإما أراد المبالغة كعلامة ونسابة وما جرى مجراها و « أن » في قوله :
أَلَّا تَزِرُ
مخففة من الثقيلة ، وتقديرها أنه لا تزر ، وحسن الحائل بينها وبين الفعل إن بقي الفعل مرتفعا ، فهي كقوله :
أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى
[ المزمل : 20 ] ونحوه ، و « أن » في موضع رفع أو خفض ، كلاهما مرتب . قوله عزّ وجل :

[ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 39 إلى 51 ]

وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ( 41 ) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ( 44 ) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ( 46 ) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ( 47 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى ( 48 ) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ( 49 ) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ( 50 ) وَثَمُودَ فَما أَبْقى ( 51 ) قوله تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ
وقوله بعد ذلك
وَأَنَّهُ
،
وَأَنَّهُ *
معطوف كل ذلك على أن المقدرة أولا في قوله : « أنه لا تزر » وهي كلها بفتح الألف في قراءة الجمهور . وقرأ أبو السمال قعنب « وإن إلى ربك » بكسر الهمزة فيهما وفيما بعدها وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أن قوله :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
منسوخ بقوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
[ الطور : 21 ] وهذا لا يصح عندي على ابن عباس ، لأنه خبر لا ينسخ ، ولأن شروط النسخ ليست هنا ، اللهم إلا أن يتجوز في لفظة النسخ ليفهم سائلا ، وقال عكرمة : كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى ، وأما هذه الأمة فلها سعي غيرها ، والدليل حديث سعد بن عبادة قال : يا رسول اللّه هل لأمي إن تطوعت عنها ؟ قال : نعم . وقال الربيع بن أنس : « الإنسان » الذي في هذه الآية هو الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره . وسأل عبد اللّه بن طاهر بن الحسين والي خراسان الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله :
وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 261 ] فقال ليس له بالعدل إلا ما سعى ، وله بفضل اللّه ما شاء اللّه ، فقبل عبد اللّه رأس الحسين . وقال الجمهور : الآية محكمة . والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 206 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى