تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
الأحاديث وقد مضى القول في ذكرها واختلاف الأحاديث فيها في سورة النساء . وتحرير القول في الكبائر أنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا ، أو توعد بنار في الآخرة ، أو لعنة ونحو هذا خاصا بها فهي كثيرة العدد ، ولهذا قال ابن عباس حين قيل له أسبع هي ؟ فقال : هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع . وقال زيد بن أسلم : « كبير الإثم » هنا يراد به : الكفر . و
الْفَواحِشَ
هي المعاصي المذكورة . وقوله :
إِلَّا اللَّمَمَ
هو استثناء يصح أن يكون متصلا ، وإن قدرته منقطعا ساغ ذلك ، واختلف في معنى
اللَّمَمَ
فقال ابن عباس وابن زيد معناه : ما ألموا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل الإسلام . قال الثعلبي عن ابن عباس وزيد بن ثابت وزيد بن أسلم وابنه : إن سبب الآية أن الكفار قالوا للمسلمين : قد كنتم بالأمس تعملون أعمالنا ، فنزلت الآية وهي مثل قوله تعالى :
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
[ النساء : 23 ] وقال ابن عباس وغيره : ما ألموا من المعاصي الفلتة والسقطة دون دوام ثم يتوبون منه ، ذكر الطبري عن الحسن أنه قال في اللمة : من الزنا والسرقة والخمر ثم لا يعود . قال القاضي أبو محمد : وهذا كالذي قبله ، فكأن هذا التأويل يقتضي الرفق بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى ، إذ الغالب في المؤمنين مواقعة المعاصي ، وعلى هذا أنشدوا وقد تمثل به النبي صلى اللّه عليه وسلم : [ الرجز ]
إن تغفر اللهم تغفر جما * وأي عبد لك لا ألما
وقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي وغيرهم :
اللَّمَمَ
صغار الذنوب التي بين الحدين الدنيا والآخرة وهي ما لا حد فيه ولا وعيد مختصا بها مذكورا لها ، وإنما يقال صغار بالإضافة إلى غيرها ، وإلا فهي بالإضافة إلى الناهي عنها كبائر كلها ، ويعضد هذا القول ، قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه كتب على ابن آدم حظه من الزنا لا محالة ، فزنى العين : النظر ، وزنى اللسان : المنطق ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فإن تقدم فرجه فهو زان ، وإلا فهو اللمم » . وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار فالناس لا يتخلصون من مواقعة هذه الصغائر ولهم مع ذلك الحسنى إذا اجتنبوا التي هي في نفسها كبائر . وتظاهر العلماء في هذا القول ، وكثر المائل إليه . وذكر الطبري عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي أنه قال :
اللَّمَمَ
ما دون الشرك ، وهذا عندي لا يصح عن عبد اللّه بن عمرو . وذكر المهدوي عن ابن عباس والشعبي :
اللَّمَمَ
ما دون الزنا . وقال نفطويه :
اللَّمَمَ
ما ليس بمعتاد . وقال الرماني :
اللَّمَمَ
الهم بالذنب وحديث النفس به دون أن يواقع . وحكى الثعلبي عن سعيد بن المسيب : أنه ما خطر على القلب ، وذلك هو لمة الشيطان . قال الزهراوي وقيل :
اللَّمَمَ
نظرة الفجأة ، وقاله الحسين بن الفضل . ثم أنس تعالى بعد هذا بقوله :
إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ
. وقوله تعالى :
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ
الآية ، روي عن عائشة أنها نزلت بسبب قوم من اليهود كانوا يعظمون أنفسهم ويقولون للطفل إذا مات لهم هذا صديق عند اللّه ، ونحو هذا من الأقاويل المتوهمة ، فنزلت الآية فيهم ، ثم هي بالمعنى عامة جميع البشر ، وحكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم ، وقوله :
أَعْلَمُ بِكُمْ
قال مكي بن أبي طالب في المشكل معناه : هو عالم بكم . وقال
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 204 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى