تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
ذلك عن ابن عباس ، ومعنى القول بأنها في المؤذنين أنهم داخلون فيها ، وأما نزولها فبمكة بلا خلاف ولم يكن بمكة آذان وإنما ترتب بالمدينة ، وأن الآذان لمن الدعاء إلى اللّه تعالى ولكنه جزء منه . والدعاء إلى اللّه بقوة كجهاد الكفار وردع الطغاة وكف الظلمة وغيره أعظم غناء من تولي الاذان إذ لا مشقة فيه والأصوب أن يعتقد أن الآية نزلت عامة . قال زيد بن علي المعنى : دعا إلى اللّه بالسيف . وقرأ الجمهور : « إنني » بنونين . وقرأ ابن أبي عبلة : « إني » بنون واحدة . وقال فضيل بن رفيدة : كنت مؤذنا في أصحاب ابن مسعود ، فقال لي عاصم بن هبيرة : إذا أكملت الآذان فقل :
إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
ثم تلا هذه الآية . ثم وعظ تعالى نبيه عليه السلام ونبهه على أحسن مخاطبة ، فقرر أن الحسنة والسيئة لا تستوي ، أي فالحسنة أفضل ، وكرر في قوله :
وَلَا السَّيِّئَةُ
تأكيدا ليدل على أن المراد : ولا تستوي الحسنة والسيئة ولا السيئة والحسنة ، فحذف اختصارا ودلت
لا
على هذا الحذف . وقوله تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
آية جمعت مكارم الأخلاق وأنواع الحلم ، والمعنى : ادفع أمورك وما يعرضك مع الناس ومخالطتك لهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أحسن السير والفعلات ، فمن ذلك بذل السلام ، وحسن الأدب ، وكظم الغيظ ، والسماحة في القضاء والاقتضاء وغير ذلك . قال ابن عباس : إذا فعل المؤمن هذه الفضائل عصمه اللّه من الشيطان وخضع له عدوه ، وفسر مجاهد وعطاء هذه الآية بالسلام عند اللقاء ، ولا شك أن السلام هو مبدأ الدفع بالتي هي أحسن وهو جزء منه ، ثم قال تعالى :
كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
فدخل كاف التشبيه لأن الذي عنده عداوة لا يعود وليا حميما ، وإنما يحسن ظاهره فيشبه بذلك الولي الحميم . والحميم : هو القريب الذي يحتمّ للإنسان . والضمير في قوله :
يُلَقَّاها
عائد على هذه الخلق التي يتضمنها قوله :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
. وقالت فرقة : المراد : وما يلقى لا إله إلا اللّه ، وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ . وقوله :
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا
مدح بليغ للصبر ، وذلك بيّن للمتأمل ، لأن الصبر للطاعات وعن الشهوات جامع لخصال الخير كلها . والحظ العظيم : يحتمل أن يريد من العقل والفضل ، فتكون الآية مدحا . وروي أن رجلا شتم أبا بكر الصديق بحضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم فسكت أبو بكر ساعة ، ثم جاش به الغضب فرد على الرجل ، فقام النبي عليه السلام فاتبعه أبو بكر وقال : يا رسول اللّه قمت حين انتصرت ، فقال إنه كان يرد عنك ملك ، فلما قربت تنتصر ، ذهب الملك وجاء الشيطان ، فما كنت لأجالسه ، ويحتمل أن يريد :
ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
من الجنة وثواب الآخرة ، فتكون الآية وعدا ، وبالجنة فسر قتادة الحظ هنا . قوله عزّ وجل :

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 36 إلى 39 ]

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 ) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 ) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 )