تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
حديث آخر من خير الناس ؟ قال : « آمرهم بالمعروف . وأنهاهم عن المنكر . وأوصلهم للرحم وأتقاهم » . وحكى الزهراوي أن سبب هذه الآية غضب الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد حين أذن بلال يوم فتح مكة على الكعبة ، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن سببها قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح عند النبي صلى اللّه عليه وسلم : يا ابن فلانة ، فوبخه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال له : « إنك لا تفضل أحدا إلا في الدين والتقوى » ، فنزلت هذه الآية ونزل الأمر بالتفسح في ذلك أيضا ، والشعوب : جمع شعب وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطا بنسب واحد ، ويتلوه القبيلة ، ثم العمارة ، ثم البطن ، ثم الفخذ ، ثم الأسرة والفصيلة : وهما قرابة الرجل الأدنون فمضر وربيعة وحمير شعوب ، وقيس وتميم ومذحج ومراد ، قبائل مشبهة بقبائل الرأس ، « لأنها قطع تقابلت » وقريش ومحارب وسليم عمارات ، وبنو قصي وبنو مخزوم بطون ، وبنو هاشم وبنو أمية أفخاذ ، وبنو عبد المطلب أسرة وفصيلة ، وقال ابن جبير : الشعوب : الأفخاذ . وروي عن ابن عباس الشعوب : البطون ، وهذا غير ما تمالأ عليه اللغويون . قال الثعلبي ، وقيل : الشعوب في العجم والقبائل في العرب ، والأسباط في بني إسرائيل . وأما الشعب الذي هو في همدان الذي ينسب إليه الشعبي فهو بطن يقال له الشعب . قال القاضي أبو محمد : وقيل للأمم التي ليست بعرب : شعوبية ، نسبة إلى الشعوب ، وذلك أن تفصيل أنسابها خفي فلم يعرف أحد منهم إلا بأن يقال : فارسي تركي رومي زناتي . فعرفوا بشعوبهم وهي أعم ما يعبر به عن جماعتهم ، ويقال لهم الشعوبية بفتح الشين ، وهذا من تغيير النسب ، وقد قيل فيهم غير ما ذكرت ، وهذا أولى عندي . وقرأ الأعمش : « لتتعارفوا » وقرأ عبد اللّه بن عباس : « لتعرفوا أن » ، على وزن تفعلوا بكسر العين وفتح الألف من « أن » ، وبإعمال « لتعرفوا » فيها ، ويحتمل على هذه القراءة أن تكون اللام في قوله : « لتعرفوا » لام كي ، ويضطرب معنى الآية مع ذلك ، ويحتمل أن تكون لام الأمر ، وهو أجود في المعنى ، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفا تقديره : الحق ، وإذا كانت لام كي فكأنه قال : يا أيها الناس أنتم سواء من حيث أنتم مخلوقون لأن تتعارفوا ولأن تعرفوا الحقائق ، وأما الشرف والكرم فهو بتقوى اللّه تعالى وسلامة القلوب . وقرأ ابن مسعود : « لتعارفوا بينكم وخيركم عند اللّه أتقاكم » . وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من سره أن يكون أكرم الناس ، فليتق اللّه » . ثم نبه تعالى على الحذر بقوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
أي بالمتقي الذي يستحق رتبة الكرم في الإيمان ، أي لم تصدقوا بقلوبكم
وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
. والإسلام يقال بمعنيين ، أحدهما : الدين يعم الإيمان والأعمال ، وهو الذي في قوله :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 19 ] والذي في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « بني الإسلام على خمس » والذي في تعليم النبي صلى اللّه عليه وسلم لجبريل حين قال له : ما الإسلام ؟ قال : بأن تعبد اللّه وحده ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان ، والذي في قوله لسعد بن أبي وقاص : « أو مسلما ، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه » الحديث ، فهذا الإسلام ليس هو في قوله :
وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
والمعنى الثاني للفظ الإسلام : هو الاستسلام والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم ، وهذا هو الإسلام في قوله :
وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
، و
الْإِيمانُ
الذي هو التصديق أخص من الأول وأعم بوجه ، ثم صرح لهم بأن