اللّه . والغيبة مشتقة من غاب يغيب . وهي القول في الغائب واستعملت في المكروه . ولم يبح في هذا المعنى إلا ما تدعو الضرورة إليه من تجريح في الشهود وفي التعريف لمن استنصح في الخطاب ونحوهم لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أما معاوية فصعلوك لا مال له » . وما يقال في الفسقة أيضا وفي ولاة الجور ويقصد به التحذير منه . ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أعن الفاجر ترعون ؟ اذكروا الفاجر بما فيه حتى يعرفه الناس إذا لم تذكروه » ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « بئس ابن العشيرة » . ثم مثل تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت ، والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم . فمنه قول الشاعر [ سويد بن أبي كاهل اليشكري ] : [ الرمل ]
فإذا لاقيته عظّمني * وإذا يخلو له لحمي رتع
ويروى فيحييني إذا لاقيته .
ومنه قول الآخر : [ المقنع الكندي ] .
وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم * وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
فوقفهم اللّه تعالى على جهة التوبيخ بقوله :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
فالجواب عن هذا : لا . وهم في حكم من يقولها . فخوطبوا على أنهم قالوا لا . فقيل لهم :
فَكَرِهْتُمُوهُ
وبعد هذا مقدر تقديره : فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك . وعلى هذا المقدر يعطف قوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ
قاله أبو علي الفارسي . وقال الرماني : كراهية هذا اللحم يدعو إليها الطبع . وكراهية الغيبة يدعو إليها العقل . وهو أحق أن يجاب . لأنه بصير عالم . والطبع أعمى جاهل .
وقرأ الجمهور : « ميتا » بسكون الياء . وقرأ نافع وابن القعقاع وشيبة ومجاهد : « ميّتا » بكسرها والشد .
وقرأ أبو حيوة : « فكرّهتموه » بضم الكاف وشد الراء .
ورواها أبو سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . ثم أعلم بأنه
تَوَّابٌ رَحِيمٌ
إبقاء منه تعالى وإمهالا وتمكينا من التوبة .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 13 إلى 14 ]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 ) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 )
قوله تعالى :
مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى
يحتمل أن يريد آدم وحواء . فكأنه قال : إنا خلقنا جميعكم من آدم وحواء . ويحتمل أن يريد الذكر والأنثى اسم الجنس . فكأنه قال : إنا خلقنا كل واحد منكم من ماء ذكر وماء أنثى . وقصد هذه الآية التسوية بين الناس . ثم قال تعالى :
وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا
أي لئلا تفاخروا ويريد بعضكم أن يكون أكرم من بعض . فإن الطريق إلى الكرم غير هذا :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
وروى أبو بكرة : قيل يا رسول اللّه : من خير الناس ؟ قال : « من طال عمره وحسن عمله » . وفي