تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
قوله عزّ وجل :

[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 16 ]

قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 16 ) أمر اللّه نبيه عليه السلام بالتقدمة إلى هؤلاء المخلفين بأنهم سيؤمرون بقتال عدو بئيس ، وهذا يدل على أنهم كانوا يظهرون الإسلام ، وإلا فلم يكونوا أهلا لهذا الأمر ، واختلف الناس من القوم المشار إليهم في قوله :
إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ
فقال عكرمة وابن جبير وقتادة : هم هوازن ومن حارب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حنين . قال القاضي أبو محمد : ويندرج في هذا القول عندي من حورب وغلب في فتح مكة . وقال كعب : هم الروم الذين خرج إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام تبوك والذين بعث إليهم في غزوة مؤتة . وقال الزهري والكلبي : هم أهل الردة وبنو حنيفة باليمامة . وقال منذر بن سعيد : يتركب على هذا القول أن الآية مؤذنة بخلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما ، يريد لما كشف الغيب أنهما دعوا إلى قتال أهل الردة . وحكى الثعلبي عن رافع بن خديج أنه قال : واللّه لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم من هم ، حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم أريدوا . وقال ابن عباس وابن أبي ليلى : هم الفرس . وقال الحسن : هم فارس والروم . وقال أبو هريرة : هم قوم لم يأتوا بعد ، والقولان الأولان حسنان ، لأنهما الذي كشف الغيب وباقيهما ضعيف . وقال منذر بن سعيد : رفع اللّه في هذه الجزية ، وليس إلا القتال أو الإسلام ، وهذا لا يوجد إلا في أهل الردة . قال القاضي أبو محمد : وهو من حورب في فتح مكة . وقرأ الجمهور من القراء : « أو يسلمون » على القطع ، أي أو هم يسلمون دون حرب . وقرأ أبيّ بن كعب فيما حكى الكسائي : « أو يسلموا » بنصب الفعل على تقدير : أو يكون أن يسلموا ، ومثله من الشعر قول امرئ القيس : [ الطويل ]
فقلت له لا تبك عيناك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
يروى : « نموت » بالنصب . و « نموت » بالرفع ، فالنصب على تقدير : أو يكون أن نموت ، والرفع على القطع ، أو نحن نموت . وقوله :
فَإِنْ تُطِيعُوا
معناه : فيما تدعون إليه ، والعذاب الذي توعدهم : يحتمل أن يريد به عذاب الدنيا ، وأما عذاب الآخرة فبين فيه . وقوله عزّ وجل :
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 132 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى