ولا تدفع عنه شبعا ؛ فإن صحّ ما ذكره كانت حراما ، وإن لم يصح - وهو الظاهر - أباحتها الضرورة كسائر المحرمات .
وأما الغاصّ بلقمة فإنه يجوز له فيما بينه وبين اللّه تعالى ، وأما فيما بيننا فإن شهدناه فلا يخفى بقرائن الحال صورة الغصّة من غيرها فيصدّق إذا ظهر ذلك ، وإن لم يظهر حددناه ظاهرا وسلم من العقوبة عند اللّه تعالى باطنا .
المسألة الثانية عشرة - قوله تعالى :
غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
.
فيها أقوال كثيرة نخبتها اثنان « 1 » :
الأول - أنّ الباغي في اللغة هو الطالب لخير كان أو لشرّ ، إلا أنه خصّ هاهنا بطالب الشر ، ومن طالب الشر الخارج على الإمام المفارق للجماعة . وهو المراد بقوله تعالى « 2 » :
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى
. والعادي ، وهو المجاوز ما يجوز إلى ما لا يجوز ، وخصّ هاهنا بقاطع السبيل ، وقد قاله مجاهد وابن جبير .
الثاني - أن الباغي آكل الميتة فوق الحاجة ، والعادي آكلها مع وجود غيرها ، قاله جماعة منهم قتادة والحسن وعكرمة .
وتحقيق القول في ذلك أنّ العادي باغ ، فلما أفرد اللّه تعالى كلّ واحد منهما بالذكر تعيّن له معنى غير معنى الآخر ، لئلا يكون « 3 » تكرارا يخرج عن الفصاحة الواجبة للقرآن .
والأصحّ والحالة هذه أنّ معناه غير طالب شرّا ولا متجاوز حدّا ؛ فأما قوله : « غير طالب شرا » فيدخل تحته « 4 » كلّ خارج على الإمام وقاطع للطريق وما في معناه . وأما « غير متجاوز حدا » فمعناه غير متجاوز حدّ الضرورة إلى حد الاختيار .
ويحتمل أن تدخل تحته الزيادة على قدر الشبع كما قاله قتادة وغيره ، ولكن مع الندور لا مع التمادي ؛ فإنّ « 5 » أبا عبيدة وأصحابه قد أكلوا حتى شبعوا مما اعتقدوا أنه ميتة حتى أخبرهم النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بأنه حلال ؛ لكن وجه الحجّة أنهم لما أخبروه بحالهم جوّز لهم أكلهم شبعا وتضلّعا مع اعتقادهم لضرورتهم .
هامش
( 1 ) هنا في هامش م : مسألة الباغي والعادي .
( 2 ) سورة الحجرات ، آية 9
( 3 ) في م : ولا يكون .
( 4 ) في م : فيه .
( 5 ) انظر ما سبق في صفحة 52