تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
فمن حمله على العموم قال : معناه - كما قدّمنا - مصلّى : مدعى أي موضعا للدعاء . ومن خصّصه قال : معناه موضعا للصلاة المعهودة ؛ وهو الصحيح ؛ ثبت من كلّ طريق أنّ عمر رضى اللّه عنه قال : وافقت ربي في ثلاث : قلت : يا رسول اللّه ؛ لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى ، فنزلت :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى . . . .
« 1 » فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم طوافه مشى إلى المقام المعروف اليوم ، وقرأ :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
) - وصلّى فيه ركعتين ، وبيّن بذلك أربعة أمور : الأول - أن ذلك الموضع هو المقام المراد في الآية . الثاني - أنه بين الصلاة وأنها المتضمنة للركوع والسجود لا مطلق الدعاء . الثالث - أنه عرّف وقت الصلاة فيه وهو عقب الطواف ، وغيره من الأوقات مأخوذ من دليل آخر . الرابع - أنه أوضح أنّ ركعتي الطواف واجبتان ، فمن تركهما فعليه دم . الآية الثانية والعشرون - قوله تعالى « 2 » :
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
قال علماؤنا : المراد بذلك اليهود ، عابوا على المسلمين رجوعهم إلى الكعبة عن بيت المقدس ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يحبّ أولا أن يتوجّه إلى بيت المقدس ، حتى إذا دانى اليهود في قبلتهم كان أقرب إلى إجابتهم ، فإنه عليه السلام كان حريصا على تأليف الكلمة وجمع الناس على الدين ، فقابلت اليهود هذه النعمة بالكفران ، فأعلمهم اللّه تعالى أنّ الجهات كلّها له ، وأن المقصود وجهه ، وامتثال أمره ، فحيثما أمر بالتوجّه إليه توجه إليه ؛ وصحّ ذلك فيه . وتمام الكلام في القسم الثاني ، وهو قريب من الذي تقدّم من قبل . الآية الثالثة والعشرون - قوله [ 23 ] تعالى « 3 » :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
. الوسط في اللغة - الخيار ، وهو العدل . وقال بعضهم : هو من وسط الشيء ، وليس للوسط الذي هو بمعنى ملتقى الطرفين هاهنا دخول ؛ لأن هذه الأمة آخر الأمم ؛ وإنما أراد به الخيار العدل ، يدل عليه قوله تعالى بعده :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
. فأنبأنا ربّنا تعالى
هامش
( 1 ) الحديث بتمامه في القرطبي : 2 - 112 ( 2 ) الآية الثانية والأربعون بعد المائة . ( 3 ) الآية الثالثة والأربعون بعد المائة .
أحكام القرآن — صفحة 40 | ابن العربي / علي محمد البجاوي / علي محمد البجاوي