تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وقد قال بعض علمائنا : إن معنى قوله هنا : « من الفطرة » يعنى من السنّة ، وأنا أقول : إنها من الملّة . وقد روى أن إبراهيم ابتلى بها فرضا ، وهي لنا سنّة ، والذي يصحّ أن إبراهيم عليه السلام ابتلى بها تكليفا غير معيّن من الفرض أو الندب في جميعها أو انقسام الحال فيها . وقد اتفقت الأمة على أنها من الملّة ، واختلفوا في مراتبها ؛ فأما قصّ الشارب وإعفاء اللحية فمخالفة للأعاجم ؛ فإنهم يقصّون لحاهم ، ويوفّرون شواربهم ، أو يوفرونهما معا ، وذلك عكس الجمال « 1 » والنظافة . وأما السواك والمضمضة والاستنشاق فلتنظيف الفم من الطعام والقلح « 2 » . وأما قصّ الأظفار فلتنزيه الطعام عما يلتئم من الوسخ فيها والأقذار . وأما غسل البراجم فلما يجتمع من الأوساخ [ 21 ] في غضونها . وحلق العانة ونتف الإبط تنظيفا عما يتلبّد من الوسخ فيهما على شعرهما ومما يجتمع من الرّحض « 3 » فيهما ، والاستنجاء لتنظيف ذلك المحلّ وتطييبه عن الأذى والأدواء . وأما الختان فلنظافة القلفة « 4 » عمّا يجتمع من أذى البول فيها ، ولم يختتن أحد قبل إبراهيم عليه السلام ؛ ثبت في الصحيح أنه اختتن بالقدوم وهو ابن مائة « 5 » وعشرين سنة . وقد اختلف العلماء فيه ، فرأى الشافعي « 6 » أنه سنّة لما قرن به من إخوته في هذا الحديث ، ورأى مالك « 7 » أنه فرض ؛ لأنه تكشف له العورة ولا يباح الحرام « 8 » إلا الواجب ، وقد مهّدناه في مسائل الخلاف ، فلما أتم إبراهيم عليه السلام هذه الوظائف أثنى اللّه سبحانه عليه ، فقال « 9 » : وإبراهيم الّذى وفي . سمعت بعض العلماء يقول : وإبراهيم الذي وفى بماله للضّيفان ، وببدنه للنيران ، وبقلبه للرحمن . الآية الموفية عشرين - قوله تعالى « 10 » :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً
.
هامش
( 1 ) في ا : الكمال . ( 2 ) القلح : صفرة الأسنان . ( 3 ) الرحض : العرق ، وفي ا : الرمص ، وأصله الوسخ الأبيض يجتمع في الموق . ( 4 ) القلفة : جلدة الذكر . ( 5 ) في صحيح مسلم : 1839 : وهو ابن ثمانين سنة . والمثبت والموطأ أيضا . والقدوم بالتخفيف : آلة النجار المعروفة . ويروى القدوم مشددا : وهو موضع . ( 6 ) في م : مالك . ( 7 ) في م : الشافعي . ( 8 ) في ا : الحريم ، وهو خطأ مطبعي . ( 9 ) سورة النجم ، آية 37 . ( 10 ) الآية الخامسة والعشرون بعد المائة . ( 4 / 1 - أحكام )