تحت كرسيّه : وعاد سليمان إلى حاله ، واستأثر اللّه تعالى به ، فقالت الشياطين للناس : إنما كان سليمان يملككم بأمور أكثرها تحت كرسيّه ، فيها علوم غريبة ؛ فدونكم فاحتفروا عليها ، ففعلوا واستثاروها « 1 » ، فنفذ عليهم القضاء فصار في أيديهم ، وتناقلته الكفرة والفلاسفة عنهم حتى وصل ذلك إلى يهود الحجاز ، فكانوا يعملونه ويعلّمونه ويصرّفونه في حوائجهم ومعايشهم ؛ وكانوا بين جاهلية جهلاء وأمّة عمياء ؛ فلما بعث اللّه تعالى محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالحقّ ، ونوّر القلوب ، وكشف قناع الألباب « 2 » ، لجأت اليهود إلى أن تعلّق ما كان عندها من ذلك لسليمان عليه السلام ، وتزعم أنه مما نزل به جبريل وميكائيل عليهما السلام على سليمان صلى اللّه عليه وسلم ، وكان ذلك قد حمل قوما قبل البعث على أن يتبرّءوا من سليمان عليه السّلام ، فأنزل اللّه تعالى الآية .
المسألة الثانية - هذا الذي ذكرنا آنفا مما فيه الحرج في ذكره عن بني إسرائيل لما قدّمناه من أنه إنما أذن لنا أن نتحدّث عنهم في حديث يعود إليهم ، وما كنا لنذكر هذا لولا أن الدواوين قد شحنت به .
أما قولهم : إن سليمان كان صغوه صحة الحكم لقوم الجرادة فباطل قطعا ؛ لأن الأنبياء صلوات اللّه عليهم لا يجوز ذلك عليهم إجماعا ؛ فإنهم معصومون عن الكبائر باتّفاق .
وأما قولهم بأن شيطانا تصوّر في صورة ملك أو نبىّ ، فأخذ الخاتم ، فباطل قطعا ؛ لأن الشياطين لا تتصور على صور الأنبياء ؛ وقد بينّا ذلك مبسوطا في كتاب النبىّ .
وأما دفنها تحت كرسىّ سليمان عليه السّلام فيمكن ألّا يعلم بذلك وتبقى حتى يفتتن بها الخلق بعده .
وقد روى أن سليمان عليه الصلاة والسلام أخذها ودفنها تحت كرسيّه وذلك « 3 » مما لا يجوز عليه وأنه لم يكن سحرا ، أما لو علم أنها سحر فحقّها أن تحرق أو تغرق ولا تبقى عرضة للنقل والعمل « 4 » .
هامش
( 1 ) في ا : واستأثروها .
( 2 ) في ا : الألباس .
( 3 ) في م : وذلك يجوز عليه .
( 4 ) في ا : عرضة للعمل .