وكذلك روى ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم عن مالك أنه الأب في ابنته البكر ، والسيّد في أمته ؛ لأن هذين هما اللذان يتصرّفان في المال وينفذ لهما القول .
فإن قيل : إنما يتصرّف الولىّ في المال بما يكون حظّا لابنته ، فأما الإسقاط فليس بحظّ ولا نظر .
قلنا : إذا رآه كان ؛ فإنا أجمعنا على أنه لو عقد نكاحها بأقلّ من مهرها نفذ ؛ وهذا إسقاط محض ، لكنه لما كان نظرا مضى .
فإن قيل : فهو عامّ في كل ولىّ ، فلم خصصتموه بهذين ؟
قلنا : كما هو عامّ في كل زوجة وخصّ « 1 » في الصغيرة والمحجورة .
وأما متعلّق من قال : إنه الزوج فضعيف ، أمّا قولهم : إنّ اللّه سبحانه ذكر الأزواج في الآيتين اللتين استشهدوا بهما فقد ذكر الولىّ في هذه الآية ، فجاءت الأحكام كلّها مبينة والفوائد الثلاثة معتبرة ، وعلى قولهم يسقط بعض البيان .
وأما قولهم الثاني فلا حجّة فيه ، لأنّ مجيء العفو بمعنى واحد من الجهتين أبلغ في الفصاحة وأوفى في المعنى من مجيئه بمعنيين ، لأنّ فيه إسقاط أحد العافيين ، وهو الولىّ المستفاد إذا كان العفو بمعنى الإسقاط . وأما ندب الزوج إلى إعطاء الصّداق كله في الآيتين اللتين ذكروا فذلك معلوم من دليل آخر .
وأما الثالث فلا حجة لهم فيه ؛ لأنّ اللّه تعالى أراد أن يميّز الولىّ عن الزوج والزوجة بمعنى يخصّه ، فكنى عنه بقوله تعالى :
الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ
بكناية مستحسنة ، فكان ذلك أبلغ في الفصاحة ، وأتم في المعنى ، وأجمع للفوائد .
وأما الرابع وهو قوله تعالى :
وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ
وتعلّقهم بأنّ الإفضال لا يكون بمال أحد ، وإنما الإفضال يكون بأحد وجهين : أحدهما يكون ببذل ما تملكه يده .
والثاني بإسقاط ما يملك إسقاطه ، كما يتفضل عليه بأن يزوّجه بأقلّ من مهر المثل .
المسألة الثامنة - هذه الآية حجّة على صحّة هبة المشاع ، لأنّ اللّه تعالى أوجب للمرأة بالطلاق نصف الصداق ، فعفوها للرجل عن جميعه كعفو الرجل ، ولم يفصل بين مشاع ومقسوم .
هامش
( 1 ) في ا : خص .