في الجاهلية ، فأجاز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة فنزل بها . . . وذكر الحديث .
المسألة الثانية - اختلف الناس في المراد بهذه الإفاضة على قولين :
أحدهما - أنّ المراد به من عرفات مخالفة لقريش ؛ قاله الجماعة .
الثاني - المراد به من المزدلفة إلى منى ؛ قاله الضحاك . وإنما صار إلى ذلك لأنه رأى اللّه تعالى ذكر هذه الإفاضة بعد ذكره « 1 » الوقوف بالمشعر الحرام ، والإفاضة التي بعد الوقوف بالمشعر الحرام هي الإفاضة إلى منى .
وأجاب عن ذلك علماؤنا بأربعة أجوبة : الأول - أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، التقدير ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، فإذا أفضتم من عرفات مع الناس فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام . والتقديم والتأخير كثير في القرآن ؛ قاله « 2 » الطبري .
الثاني - أن « ثمّ » بمعنى الواو ، كما قال تعالى : « 3 » :
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ
.
الثالث - أن معناه : ثم ذكرنا لكم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، فيرجع التعقيب إلى ذكر وجود الشيء لا إلى نفس وجوده ، كقوله تعالى « 4 » :
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ
. المعنى ، ثم أخبرناكم آتينا موسى الكتاب ؛ فيكون التعقيب في الإخبار لا في الإيتاء .
الرابع - وهو التحقيق - أن المعنى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام : يا معشر من حلّ بالمشعر الحرام أفيضوا من حيث أفاض الناس . وأخّر اللّه تعالى الخطاب إلى المشعر الحرام ليعمّ من وقف بعرفة ومن لم يقف حتى يمتثله مع من وقف .
الآية التاسعة والأربعون - قوله تعالى « 5 » :
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ
.
فيها مسألتان :
هامش
( 1 ) في ل : بعد ذكر .
( 2 ) في ا : قال .
( 3 ) سورة البلد ، آية 17
( 4 ) سورة الأنعام ، آية 154
( 5 ) الآية المتممة للمائتين .