المسألة السابعة - قوله تعالى :
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ
: أراد نفيه مشروعا لا موجودا ، فإنّا نجد الرّفث فيه ونشاهده . وخبر اللّه سبحانه وتعالى لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره ، فإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا ، كقوله تعالى « 1 » :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
معناه شرعا لا حسّا ، فإنا نجد المطلقات لا يتربّصن ، فعاد النفي إلى الحكم الشرعىّ ، لا إلى الوجود الحسىّ .
وهذا كقوله تعالى « 2 » :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
إذا قلنا : إنه وارد في الآدميين ، وهو الصحيح [ 68 ] ، أنّ معناه لا يمسّه أحد منهم بشرع ؛ فإن وجد المسنّ فعلى خلاف حكم الشرع ، وهذه الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا : إنّ الخبر قد يكون بمعنى النهى ، وما وجد ذلك قطّ ، ولا يصح أن يوجد ؛ فإنهما يختلفان حقيقة ويتضادّان وصفا .
المسألة الثامنة - إذا وقع الوطء في الحج أفسده ، لأنه محظور كالأكل في الصوم أو الكلام في الصلاة ، فإن وقعت المباشرة لم تفسده ؛ لأنّ تحريمها لكونها داعية إلى الجماع ، كما حرّم الطيّب والنكاح ، حتى
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ، ولو وجد الطيب والنكاح لم يفسد الحج
، فكذلك بالمباشرة .
المسألة التاسعة - قوله تعالى :
وَلا فُسُوقَ
.
فيه أقوال كثيرة ؛ أمهاتها ثلاث :
الأول - جميع المعاصي ،
قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر .
الثاني - أنه قتل الصيد .
الثالث - أنه الذبح لغير اللّه تعالى ، لأنّ الحجّ لا يخلو عن ذبح ، وكان أهل الجاهلية يذبحونه لغير اللّه فسقا ، فشرعه اللّه تعالى لوجهه نسكا .
والصحيح أن المراد بالآية جميعها ،
قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في الصحيح « 3 » : من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه .
وقال « 4 » : الحجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة . فقال « 5 » الفقهاء : الحج المبرور ، هو الذي لم يعص اللّه في أثناء أدائه .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية 228
( 2 ) سورة الواقعة ، آية 79
( 3 - 4 ) صحيح مسلم : 983
( 5 ) في ل : قال الفقهاء .