حين صدّ المشركون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن مكة ، وما كانوا حبسوه ولكن حبسوا البيت ومنعوه ، وقد ذكر اللّه تعالى القصة في سورة الفتح فقال « 1 » :
وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
.
وقد تأتى أفعال يكون فيها فعل وأفعل بمعنى واحد ، والمراد بالآية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، ومعناها : فإن منعتم . ويقال : منع الرجل عن كذا ؛ فإنّ « 2 » المنع مضاف إليه أو إلى الممنوع عنه .
وحقيقة المنع عندنا العجز الذي يتعذّر معه الفعل ، وقد بيناه في كتب الأصول ، والذي يصحّ أن الآية نزلت في الممنوع بعذر ، وأنّ لفظها في كل ممنوع ، ومعناها يأتي إن شاء اللّه .
المسألة الثامنة - في تحقيق جواب الشرط من قوله تعالى :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
.
وظاهره قوله :
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
، وبهذا « 3 » قال أشهب في كتاب محمد عن مالك ، وروى ابن القاسم أنه لا هدى عليه [ 63 ] ؛ لأنه لم يكن منه تفريط ؛ وإنما الهدى على ذي التفريط ؛ وهذا ضعيف من وجهين :
أحدهما - أنّ اللّه تعالى قال :
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
؛ فهو ترك لظاهر القرآن ، وتعلّق بالمعنى .
الثاني - أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أهدى عن نفسه وعن أصحابه البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة . ولهم أن يقولوا : إنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم حمل الهدى تطوّعا ، وكذلك كان ؛ فأما ظاهر القرآن فلا كلام فيه . وأما المعنى فلا يمتنع أن يجعل الباري تعالى الهدى واجبا - مع التفريط ومع عدمه - عبادة منه لسبب ولغير سبب في الوجهين جميعا .
ومن علمائنا من قال - وهو ابن القاسم : إنّ الذي عليه الهدى من أحصر بمرض فإنه يتحلّل بالعمرة ويهدى .
وقال أبو حنيفة : يتحلّل بالمرض في موضعه . وهذا ضعيف من الوجهين : أحدهما لا معنى للآية إلّا حصر العدوّ ، أو الحصر مطلقا « 4 » ، فكيف يرجع الجواب إلى « 5 » مقتضى
هامش
( 1 ) سورة الفتح ، آية 25
( 2 ) في ا : كان المنع مضافا .
( 3 ) ا : ولهذا .
( 4 ) في ا : المطلق .
( 5 ) في ا : على .