تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
قوله عزّ وجل :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 114 إلى 116 ]

وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ( 114 ) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 115 ) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 116 ) المعنى لا حجة أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل لأبيه فإن ذلك لم يكن إلا عن موعدة ، واختلف في ذلك فقيل عن موعدة من إبراهيم في أن يستغفر لأبيه وذلك قوله
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا
[ مريم : 47 ] ، وقيل عن موعدة من أبيه له في أنه سيؤمن فكان إبراهيم قد قوي طمعه في إيمانه فحمله على الاستغفار له حتى نهي عنه ، وقرأ طلحة : « وما يستغفر إبراهيم » وروي عنه « وما استغفر إبراهيم » ، و
مَوْعِدَةٍ
مفعلة من الوعد ، وأما تبينه أنه عدو للّه قيل ذلك بموت آزر على الكفر ، وقيل ذلك بأنه نهي عنه وهو حي . وقال سعيد بن جبير : ذلك كله يوم القيامة وذلك أن في الحديث أن إبراهيم يلقاه فيعرفه ويتذكر قوله :
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي
[ مريم : 47 ] فيقول له الزم حقوي فلن أدعك اليوم لشيء ، فيلزمه حتى يأتي الصراط فيلتفت إليه فإذا هو قد مسخ ضبعانا أمدر فيتبرأ منه حينئذ . قال القاضي أبو محمد : وربط أمر الاستغفار بالآخرة ضعيف ، وقوله
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
ثناء من اللّه تعالى على إبراهيم ، و « الأواه » قال ابن مسعود هو الدعّاء ، وقيل هو الداعي بتضرع ، وقيل هو الموقن قاله ابن عباس ، وقيل هو الرحيم قاله ابن مسعود أيضا ، وقيل هو المؤمن التواب ، وقيل هو المسبح وقيل هو الكثير الذكر للّه عزّ وجل ، وقيل هو التلّاء للقرآن ، وقيل هو الذي يقول من خوفه للّه عزّ وجل أبدا أوه ويكثر ذلك . وروي أن أبا ذر سمع رجلا يكثر ذلك في طوافه فشكاه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « دعه فإنه أواه » . والتأوه التفجع الذي يكثر حتى ينطق الإنسان معه ، ب « أوه » ، ويقال أوه فمن الأول قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لبلال في بيع أو شراء أنكره عليه : أوه ، ذلك الربا بعينه ومن الثاني قول الشاعر : [ الطويل ]
فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها * ومن بعد أرض بيننا وسماء
ومن هذا المعنى قول المثقب العبدي : [ الوافر ]
إذا ما قمت أرحلها بليل * تأوّه آهة الرجل الحزين