تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
وجد الخضر قاعدا على تيح البحر ، وسمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة يابسة فاهتزت تحته خضراء ، روي ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، و « الرحمة » في هذه الآية النبوءة ، وقد ذكرنا الحديث المضمن أن سبب هذه القصة أن موسى عليه السلام ، قيل له تعلم أحدا أعلم منك ، قال : لا ، وحكى الطبري حديثا آخر ، مضمنه : أن موسى عليه السلام قال : من قبل نفسه : أي رب ، أي عبادك أعلم ؟ قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة خير تهديه ، قال رب فهل في الأرض أحد ؟ قال نعم فسأل السبيل إلى لقيه ، والحديث الأول في صحيح البخاري ، وقرأ الجمهور « من لدنّا » بتشديد النون وقرأ أبو عمرو من « لدنا » بضم الدال وتخفيف النون ، قال أبو حاتم هما لغتان . قوله عزّ وجل :

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 66 إلى 73 ]

قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 ) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 67 ) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 ) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ( 69 ) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ( 70 ) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ( 71 ) قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 72 ) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ( 73 ) هذه مخاطبة المستنزل المبالغ في حسن الأدب ، المعنى : هل يتفق لك ويخف عليك ، وهذا كما في الحديث « هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتوضأ » وعلى بعض التأويلات يجيء كذلك قوله
هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً
[ المائدة : 112 ] وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم « رشدا » بضم الراء والشين ، وقرأ أبو عمرو « رشدا » بفتح الراء والشين ، ونصبه على وجهين : أحدهما : أن يكون مفعولا ثانيا ب
تُعَلِّمَنِ
والآخر أن يكون حالا من الضمير في قوله
أَتَّبِعُكَ
ثم قال الخضر ،
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
أي إنك يا موسى ، لا تطيق أن تصبر على ما تراه من عملي ، لأن الظواهر التي علمك لا تعطيه ،
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى
ما تراه خطأ ، ولم تخبر بوجه الحكمة فيه ولا طريق الصواب ، فقرب له موسى الأمر بوعده أنه سيجده ، ثم استثنى حين حكم على نفسه بأمر فقوى الخضر وصاته وأمره بالإمساك عن السؤال والإكنان لما يراه حتى يبتدئه الخضر لشرح ما يجب شرحه ، وقرأ نافع فلا « تسألنّي » بفتح اللام ، وتشديد النون وإثبات الياء وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه حذف الباء فقال « تسألنّ » ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي « تسألني » بسكون اللام وثبوت الياء ، وقرأ الجمهور « خبرا » بسكون الباء ، وقرأ الأعرج « خبرا » بضمها ، وقوله
فَانْطَلَقا
روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنهما انطلقا ماشيين على سيف البحر حتى مرت بهما سفينة ، فعرف الخضر فحملا بغير قول إلى مقصد أمه الخضر ، وعرفت
السَّفِينَةِ
بالألف واللام تعريف الجنس لا لعهد عينها ، فلما ركبا عمد الخضر إلى وتد فجعل يضرب في جنب السفينة حتى قلع به ، فيما روي لوحين من ألواحها فذلك هو معنى
خَرَقَها
فلما
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 530 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى