تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
« لدنّي » بفتح اللام وضم الدال وشد النون . وهي « لدن » اتصلت بها نون الكناية التي في ضربني ونحوه ، فوقع الإدغام ، وهي قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقرأ نافع وعاصم « لدني » كالأولى إلا أن النون مخففة ، فهي « لدن » اتصلت بها ياء المتكلم التي في غلامي وفرسي ، وكسر ما قبل الياء كما كسر في هذه ، وقرأ أبو بكر عن عاصم « لدني » بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف النون وهي تخفيف « لدني » التي ذكرناها قبل هذه وروي عن عاصم « لدني » بضم اللام وسكون الدال قال ابن مجاهد وهي غلط قال أبو علي هذا التغليط يشبه أن يكون من جهة الرواية فأما على قياس العربية فهي صحيحة ، وقرأ الحسن « لدني » بفتح اللام وسكون الدال ، وقرأ الجمهور « عذرا » وقرأ أبو عمرو وعيسى « عذرا » بضم الدال ، وحكى الداني أن أبي روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « عذري » بكسر الراء وياء بعدها وأسند الطبري ، قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا دعا لأحد بدأ بنفسه ، فقال يوما رحمة اللّه علينا ، وعلى موسى ، لو صبر على صاحبه لرأى العجب ، ولكنه قال
فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً
وفي البخاري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : يرحم اللّه موسى لوددنا أنه صبر ، حتى يقص علينا من أمرهما ، وروي في تفسير هذه الآية أن اللّه جعل هذه الأمثلة التي وقعت لموسى مع الخضر ، حجة على موسى وعجبا له ، وذلك أنه لما أنكر أمر خرق السفينة ، نودي يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم ، فلما أنكر أمر الغلام ، قيل له أين إنكارك هذا من وكرك للقبطي وقضائك عليه ؟ فلما أنكر إقامة الجدار نودي أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر ؟ وقوله :
فَانْطَلَقا
يريد انطلق الخضر وموسى يمشيان لارتياد الخضر أمرا ينفذ فيه ما عنده من علم اللّه فمرا بقرية فطلبا من أهلها أن يطعموهما فأبوا ، وفي حديث : أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم ، وهذه عبرة مصرحة بهوان الدنيا على اللّه ، واختلف الناس في « القرية » : فقال محمد بن سيرين هي الأبلة . وهي أبخل قرية وأبعدها من السماء ، وقالت فرقة هي أنطاكية ، وقالت فرقة هي برقة ، وقالت فرقة هي بجزيرة الأندلس ، روي ذلك عن أبي هريرة وغيره ، ويذكر أنها الجزيرة الخضراء ، وقالت فرقة هي أبو حوران ، وهي بناحية أذربيجان . قال القاضي أبو محمد : وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى واللّه أعلم بحقيقة ذلك ، وقرأ الجمهور « يضيّفوهما » بفتح الضاد وشد الياء ، وقرأ أبو رجاء « يضيفوهما » ، بكسر الضاد وسكون الياء وهي قراءة ابن محيصن ، وابن الزبير ، والحسن وأبي رزين ، والضيف مأخوذ من ضاف إلى المكان إذا مال إليه ، ومنه الإضافة ، وهي إمالة شيء إلى شيء ، وقرأ الأعمش « فأبوا أن يطعموهما » ، وقوله في الجدار
يُرِيدُ
استعارة ، وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة ، أي لو كان مكان الجماد إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل ، فمن ذلك قول الأعشى : [ البسيط ]
أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط * كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
فأسند النهي إلى الطعن . ومن ذلك قول الشاعر : [ الوافر ]
يريد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 533 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى