الطريق إلى الجزيرة في البحر وفيها وجد الخضر ، وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضفة البحر ، يدل على ذلك قوله تعالى :
فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً
وروي في قوله
فَلَمَّا جاوَزا
أن موسى عليه السلام نزل عند صخرة عظيمة في ضفة البحر ، فنسي يوشع الحوت هنالك ، ثم استيقظ موسى ورحلا مرحلة بقية الليل وصدر يومهما ، فجاع موسى ولحقه تعب الطريق ، فاستدعى الغداء ، قال أبي رضي اللّه عنه سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظه مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوما لم يحتج إلى طعام ، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع في بعض يوم ، و « النصب » التعب والمشقة ، وقرأ عبد اللّه بن عبيد بن عمير « نصبا » بضم النون والصاد ، ويشبه أن يكون جمع نصب وهو تخفيف نصب وقوله
أَ رَأَيْتَ
الآية حكى الطبري عن فرقة أنها قالت الصخرة هي الشام عند نهر الذيب ، وقد تقدم ذكر الخلاف في موضع هذه القصة ، وقوله
نَسِيتُ الْحُوتَ
يريد نسيت ذكر ما جرى فيه لك ، وأما الكسائي وحده « أنسانيه » ، وقرأت فرقة « أنسانيه » وقرأ ابن كثير في الوصل « أنسانيهي » بياء بعد الهاء ، وفي مصحف عبد اللّه بن مسعود « وما أنسانيه أن أذكركه إلا الشيطان » . وقوله
أَنْ أَذْكُرَهُ
بدل من
الْحُوتَ
بدل اشتمال ، وقوله
وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً
يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى أي اتخذ الحوت سبيله عجبا للناس ، ويحتمل أن يكون قوله
وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ
تام الخبر ، فاستأنف التعجب فقال من قبل نفسه :
عَجَباً
لهذا الأمر ، وموضع العجب أن يكون حوت قد مات وأكل شقه الأيسر ثم حيي بعد ذلك ، قال أبو شجاع في كتاب الطبري رأيته ، أتيت به فإذا هو شقة حوت ، وعين واحدة وشق آخر ليس فيه شيء .
قال القاضي أبو محمد : وأنا رأيته والشق الذي فيه شيء عليه قشرة رقيقة يشق تحتها شوكة وشقه الآخر ، ويحتمل أن يكون قوله
وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ
الآية إخبار من اللّه تعالى ، وذلك على وجهين : إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البرح عجبا أي تعجب منه ، وإما أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجبا للناس ، وقرأ أبو حيوة « واتخاذ سبيله » فهذا مصدر معطوف على الضمير في
أَذْكُرَهُ
، وقوله تعالى :
قالَ ذلِكَ
الآية ، المعنى قال موسى لفتاه أمر الحوت وفقده هو الذي كنا نطلب ، فإن الرجل الذي جئنا له ثم ، فرجعا يقصان أثرهما لئلا يخطئان طريقهما ، وقرأ الجمهور « نبغي » بثبوت الياء ، وقرأ عاصم وقوم « نبغ » دون ياء ، وكان الحسن يثبتها إذا وصل ويحذفها إذا وقف ، و « قص الأثر » اتباعه وتطلبه في موضع خفائه ، و « العبد » هو الخضر في قول الجمهور بمقتضى الأحاديث ، وخالف من لا يعتد بقوله فقال ليس ، صاحب موسى بالخضر بل هو عالم آخر ، والخضر نبي عند الجمهور ، وقيل هو عبد صالح غير نبي ، والآية تشهد بنبوته لأن بواطن أفعاله هل كانت إلا بوحي اللّه ، وروي في الحديث أن موسى عليه السلام وجد الخضر مسجى في ثوبه مستلقيا على الأرض فقال له السلام عليك ، فرفع الخضر رأسه وقال وأنى بأرضك السلام ؟ ثم قال له من أنت ؟ قال أنا موسى ، قال موسى بني إسرائيل ؟ قال نعم ، قال له ألم يكن لك في بني إسرائيل ما يشغلك عن السفر إلى هنا ؟ قال بلى ، ولكني أحببت لقاءك ، وأن أتعلم منك ، قال له إني على علم من علم اللّه علمنيه ، لا تعلمه أنت على علم من علم اللّه علمكه اللّه لا أعلمه أنا .
قال القاضي أبو محمد : كان علم الخضر معرفة بواطن قد أوحيت إليه لا تعطي ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها . وكان علم موسى عليه السلام علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم . وروي أن موسى