تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
هذه آية : تأسف عليهم وتنبيه على فساد حالهم ، لأن هذا المنع لم يكن بقصد منهم أن يمتنعوا ليجيئهم العذاب ، وإنما امتنعوا هم مع اعتقادهم أنهم مصيبون ، لكن الأمر في نفسه يسوقهم إلى هذا ، فكأن حالهم تقتضي التأسف عليهم ، و
النَّاسَ
يراد به كفار عصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الذين تولوا دفع الشريعة وتكذيبها ، و
الْهُدى
هو شرع اللّه والبيان الذي جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ، و « الاستغفار » هنا طلب المغفرة على فارط الذنب كفرا وغيره ، و
سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
هي عذاب الأمم المذكورة من الغرق والصيحة والظلمة والريح وغير ذلك ،
أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا
أي مقابلة عيانا ، والمعنى عذابا غير المعهود ، فتظهر فائدة التقسيم وكذلك صدق هذا الوعيد في بدر ، وقال مجاهد :
قُبُلًا
معناه فجأة وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ومجاهد وعيسى بن عمر « قبلا » بكسر القاف وفتح الباء ، وقرأ عاصم والكسائي وحمزة والحسن والأعرج « قبلا » بضم القاف والباء ، ويحتمل معنيين أحدهما أن يكون بمعنى قبل ، لأن أبا عبيدة حكاهما بمعنى واحد في المقابلة ، والآخر أن يكون جمع قبيل ، أي يجيئهم العذاب أنواعا وألوانا ، وقرأ أبو رجاء والحسن أيضا : « قبلا » بضم القاف وسكون الباء ، وقوله
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ
الآية ، كأنه لما تفجع عليهم وعلى ضلالهم ومصيرهم بآرائهم إلى الخسار ، قال : وليس الأمر كما يظنوا ، والرسل لم نبعثهم ليجادلوا ، ولا لتتمنى عليهم الاقتراحات ، وإنما بعثناهم مبشرين من آمن بالجنة ومنذرين من كفر بالنار ، و « يدحضوا » معناه يزهقوا ، و « الدحض » الطين الذي يزهق فيه ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]
وردت ونجى اليشكريّ نجاؤه * وحاد كما حاد البعير عن الدحض
وقوله
وَاتَّخَذُوا
إلى آخر الآية توعيد ، و « الآيات » تجمع آيات القرآن والعلامات التي ظهرت على لسان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله
وَما أُنْذِرُوا هُزُواً
يريد من العذاب الآخرة ، والتقدير وما أنذروه فحذف الضمير و « الهزاء » : السخر والاستخفاف ، كقولهم أساطير الأولين ، وقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا وقوله
وَمَنْ أَظْلَمُ
استفهام بمعنى التقرير ، وهذا من أفصح التقرير أن يوقف الأمر على ما لا جواب له فيه إلا الذي يريد خصمه ، فالمعنى لا أحد
أَظْلَمُ مِمَّنْ
هذه صفته ، أن يعرض عن الآيات بعد الوقوف عليها بالتذكير ، وينسى ويطرح كبائره التي أسلفها هذه غاية الانهمال ، ونسب السيئات إلى اليدين ، من حيث كانت اليدان آلة التكسب في الأمور الجرمية ، فجعلت كذلك في المعاني ، استعارة ، ثم أخبر اللّه عزّ وجل عنهم وعن فعله بهم ، جزاء على إعراضهم وتكسبهم القبيح ، فإنه تعالى : جعل
عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
وهي جمع كنان ، وهو كالغلاف الساتر واختلف الناس في هذا وما أشبهه من الختم والطبع ونحوه ، هل هو حقيقة أو مجاز ، والحقيقة في هذا غير مستحيلة ، والتجوز أيضا فصيح ، أي لما كانت هذه المعاني مانعة في