لمن صادف رؤيته دليلا على ذلك ، فإن ألفاظ الآية لم تسقه إلا خبرا مستأنفا ، وقال أبو عياض : كان هذا التقليب مرتين في السنة ، وقالت فرقة كل سبع سنين مرة ، وقالت فرقة إنما قلبوا في التسع الأواخر ، وأما في الثلاثمائة فلا ، وذكر بعض المفسرين أن تقلبهم إنما كان حفظا من الأرض ، وروي عن ابن عباس أنه قال لو مستهم الشمس لأحرقتهم ، ولولا التقليب لأكلتهم الأرض .
قال القاضي أبو محمد : وآية اللّه في نومهم هذه المدة الطويلة وحياتهم دون تغد أذهب في الغرابة من حفظهم مع مس الشمس ولزوم الأرض ولكنها روايات تجلب . وتتأمل بعد ، وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان بأمر اللّه وفعل ملائكته ، ويحتمل أن يكون ذلك بإقدار اللّه إياهم على ذلك وهم في غمرة النوم لا ينتبهون كما يعتري كثيرا من النوام ، لأن القوم لم يكونوا موتى . وقوله
وَكَلْبُهُمْ
أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة كان لصيد أحدهم فيما روي ، وقيل كان لراع مروا عليه فصحبهم وتبعه الكلب .
قال القاضي أبو محمد : وحدثني أبي رضي اللّه عنه ، قال : سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة : إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم ، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره اللّه في محكم تنزيله ، وقيل كان أنمر ، وقيل أحمر ، وقالت فرقة كان رجلا طباخا لهم حكاه الطبري ولم يسم قائله ، وقالت فرقة : كان أحدهم وكان قعد عند باب الغار طليعة لهم .
قال القاضي أبو محمد : فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس ، كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا لأنه منها كالكلب من الإنسان ، ويقال له كلب الجبار : أما أن هذا القول يضعفه بسط الذراعين ، فإنهما في العرف من صفة الكلب حقيقة ومنه قول النبي عليه السلام : « ولا يبتسط أحدكم ذراعيه في السجود ابتساط الكلب » ، وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قرئ « وكالبهم باسط ذراعيه » فيحتمل أن يريد ب « الكالب » هذا الرجل ، على ما روي إذ بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الربيئة ، المستخفي بنفسه ، ويحتمل أن يريد ب « الكالب » الكلب ، وقوله
باسِطٌ ذِراعَيْهِ
أعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضي لأنها حكاية حال ، ولم يقصد الإخبار عن فعل الكلب ، و « الوصيد » العتبة لباب الكهف أو موضعها حيث ليست . وقال ابن عباس ومجاهد وابن جبير « الوصيد » الفناء ، وقال ابن عباس أيضا « الوصيد » الباب ، وقال ابن جبير أيضا « الوصيد » التراب ، والقول الأول أصح ، والباب الموصد هو المغلق ، أي قد وقف على وصيده ، ثم ذكر اللّه عزّ وجل ما حفهم من الرعب واكتنفهم من الهيبة ، وقرأ « لو اطلعت » بكسر الواو جمهور القراء ، وقرأ الأعمش وابن وثاب « لو اطلعت » بضمها . وقد ذكر ذلك عن نافع وشيبة وأبي جعفر ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عباس وأهل مكة والمدينة « لملئت » بشد اللام على تضعيف المبالغة أي ملئت ثم ملئت ثم ملئت ، وقرأ الباقون « لملئت » بتخفيف اللام والتخفيف أشهر في اللغة ، وقد جاء التثقيل في قول المخبل السعدي : [ الطويل ]
وإذ فتك النعمان بالناس محرما * فملئ من كعب بن عوف سلاسله
وقالت فرقة إنما حفهم هذا الرعب لطول شعورهم وأظفارهم ، ذكره المهدوي والزجاج ، وهذا قول بعيد ، ولو كانت حالهم هكذا ، لم يقولوا
لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
[ الكهف : 19 ] وإنما الصحيح في