تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
وقال ابن عباس :
غَسَقِ اللَّيْلِ
بدؤه ، ونصب قوله
وَقُرْآنَ
بفعل مضمر تقديره واقرأ قرآن ، ويصح أن ينصب عطفا على الصلاة ، أي « وأقم قرآن الفجر » ، وعبر عن صلاة الصبح خاصة ب « القرآن » لأن القرآن هو عظمها ، إذ قراءتها طويلة مجهور بها ، ويصح أن ينصب قوله
وَقُرْآنَ
على الإغراء وقوله
إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
معناه ليشهده حفظة النهار وحفظة الليل من الملائكة حسبما ورد في الحديث المشهور من قوله عليه السلام : « يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر » ، الحديث بطوله من رواية أبي هريرة وغيره ، وعلى القول بذلك مضى الجمهور ، وذكر الطبري حديثا عن ابن عسكر من طريق أبي الدرداء ، في قوله
كانَ مَشْهُوداً
قال محمد بن سهل بن عسكر يشهده اللّه وملائكته ، وذكر في ذلك الحديث أن اللّه تعالى ينزل في آخر الليل ، ونحو هذا مما ليس بالقوي ، وقوله
وَمِنَ اللَّيْلِ
مِنَ
للتبعيض ، التقدير ووقتا من الليل أي وقم وقتا ، والضمير في
بِهِ
عائد على هذا المقدر ويحتمل أن يعود على « القرآن » وإن كان لم يجر له ذكر مطلق كما هو الضمير مطلق ، لكن جرى مضافا إلى الفجر ، و
فَتَهَجَّدْ
معناه : فاطرح الهجود عنك ، والهجود النوم ، يقال هجد يهجد بضم الجيم هجودا إذا نام ، ومنه قول ذي الرمة : [ الطويل ]
ألا طرقتنا والرفاق هجود * فباتت بعلات النوال تجود
ومنه قول الحطيئة : [ الطويل ]
فحياك ود ما هداك لفتية * وخوص بأعلى ذي طوالة هجد
وهذا الفعل جار مجرى تحوب وتأثم وتحنث ، ومثله
فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ
[ الواقعة : 65 ] معناه تندمون ، أي تطرحون الفاكهة عن أنفسكم وهي انبساط النفس وسرورها ، يقال رجل فكه إذا كان كثير السرور والضحك ، فالمعنى وقتا من الليل اسهر به في صلاة وقراءة ، وقال الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود : « التهجد » بعد نومة ، وقال الحجاج بن عمرو إنما « التهجد » بعد رقدة ، وقال الحسن : « التهجد » ما كان بعد العشاء الآخرة ، وقوله
نافِلَةً لَكَ
قال ابن عباس وغيره : معناه زيادة لك في الفرض ، قالوا : وكان قيام الليل فرضا على النبي صلى اللّه عليه وسلم . قال القاضي أبو محمد : وتحتمل الآية أن يكون هذا على وجه الندب في التنفل ، ويكون الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمراد هو وأمته كخطابه في قوله « أقم الصلوات » الآية . وقال مجاهد : إنما هي
نافِلَةً
للنبي صلى اللّه عليه وسلم لأنه مغفور له والناس يحطون بمثل ذلك خطاياهم ، وبين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم منذ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عام الحديبية فإنما كانت نوافله واستغفاره فضائل من العمل وقربا أشرف من نوافل أمته ، لأن هذا إما أن تجبر بها فرائصهم حسب الحديث ، وإما أن تحط بها خطاياهم ، وقد يتصور من لا ذنب له ينتفل فيكون تنفله فضيلة ، كنصراني يسلم وصبي يحتلم ، وضعف الطبري قول مجاهد . وقوله
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
عزة من اللّه عزّ وجل لرسوله ، وهو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء حتى ينتهي إليه عليه السلام ، والحديث بطوله في البخاري ومسلم ، فلذلك اختصرناه ، ولأجل ذلك الاعتمال الذي له في مرضاة جميع العالم مؤمنهم وكافرهم قال : « أنا سيد ، ولد آدم