تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
الأمرين بطاعة اللّه وتطلبون في الأرض العلو والفساد وتظلمون من قدرتم على ظلمة ونحو هذا . قال القاضي أبو محمد : ومقتضى هذه الآيات أن اللّه تعالى أعلم بني إسرائيل في التوراة أنه سيقع منهم عصيان وطغيان وكفر لنعم اللّه تعالى عندهم في الرسل والكتب وغير ذلك ، وأنه سيرسل عليهم أمة تغلبهم وتقتلهم وتذلهم ، ثم يرحمهم بعد ذلك ، ويجعل لهم الكرّة ويردهم إلى حالهم الأولى من الظهور ، فيقع منهم المعاصي وكفر النعم والظلم والقتل والكفر باللّه من بعضهم ، فيبعث اللّه عليهم أمة أخرى تخرب ديارهم وتقتلهم وتجليهم جلاء مبرحا ، وأعطى الوجود بعد ذلك هذا الأمر كله وقيل : كان بين « المرتين » آخر الأولى وأول الثانية مائتا سنة وعشر سنين ملكا مؤبدا بأنبياء وقيل سبعون سنة . قوله عزّ وجل :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 5 إلى 7 ]

فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ( 5 ) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( 6 ) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ( 7 ) الضمير في قوله
أُولاهُما
عائد على قوله
مَرَّتَيْنِ
[ الإسراء : 4 ] وعبر عن الشر ب « الوعد » لأنه قد صرح بذكر المعاقبة ، وإذا لم يجئ « الوعد » مطلقا فجائز أن يقع في الشر ، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن « عبيدا » ، واختلف الناس في العبيد المبعوثين ، وفي صورة الحال اختلافا شديدا متباعدا عيونه : أن بني إسرائيل عصوا وقتلوا زكرياء عليه السلام فغزاهم سنحاريب ملك بابل ، كذا قال ابن إسحاق وابن جبير ، وقال ابن عباس : غزاهم جالوت من أهل الجزيرة وروي عن عبد اللّه بن الزبير أنه قال في حديث طويل : غزاهم آخرا ملك اسمه خردوس ، وتولى قتلهم على دم يحيى بن زكرياء قائد لخردوس اسمه بيورزاذان ، وكف عن بني إسرائيل وسكن بدعائه دم يحيى بن زكرياء ، وقيل غزاهم أولا صنحابين ملك رومة ، وقيل بختنصر ، وروي أنه دخل في جيش من الفرس وهو خامل يسير في مطبخ الملك فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم تعلمه الفرس لأنه كان يداخلهم ، فلما انصرف الجيش ذكر ذلك للملك الأعظم ، فلما كان بعد مدة جعله الملك رئيس جيش ، وبعثه فخرب بيت المقدس وقتلهم وجلاهم ثم انصرف فوجدوا الملك قد مات فملك موضعه ، واستمرت حاله حتى ملك الأرض بعد ذلك ، وقالت فرقة : إنما غزاهم بختنصر في المرة الأخيرة حين عصوا وقتلوا يحيى بن زكرياء ، وصورة قتله : أن الملك أراد أن يتزوج بنت امرأته فنهاه يحيى عنها فعز ذلك على امرأته ، فزينت بنتها وجعلتها تسقي الملك الخمر وقالت لها : إذا راودك الملك عن نفسك فتمنعي حتى يعطيك الملك ما تتمنين ، فإذا قال لك تمني علي ما أردت ، فقولي رأس يحيى بن زكرياء : ففعلت الجارية ذلك فردها الملك مرتين وأجابها في الثالثة ، فجيء بالرأس في طست ولسانه يتكلم وهو يقول لا تحل لك ، وجرى دم يحيى فلم ينقطع فجعل الملك عليه التراب
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 438 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى