تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
في رجب ، وقيل في ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول والنبي صلى اللّه عليه وسلم ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوما ، والمتحقق أن ذلك كان بعد شق الصحيفة ، وقبل بيعة العقبة ، ووقع في الصحيحين لشريك بن أبي نمر وهم في هذا المعنى فإنه روى حديث الإسراء فقال فيه : وذلك قبل الوحي إليه ، ولا خلاف بين المحدثين أن هذا وهم من شريك ، و
الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
، مسجد بيت المقدس ، وسماه
الْأَقْصَى
أي في ذلك الوقت كان أقصى بيوت اللّه الفاضلة من الكعبة ، ويحتمل أن يريد ب
الْأَقْصَى
البعيد دون مفاضلة بينه وبين سواه ، ويكون المقصد إظهار العجب في الإسراء إلى هذا البعد في ليلة . و « البركة حوله » هي من جهتين ، إحداهما النبوءة والشرائع والرسل الذين كانوا في ذلك القطر وفي نواحيه وبواديه ، والأخرى النعم من الأشجار والمياه والأرض المفيدة التي خص اللّه الشام بها ، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال : « إن اللّه بارك فيما بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس » وقوله :
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا
يريد لنري محمدا بعينه آياتنا في السماوات والملائكة والجنة والسدرة وغير ذلك مما رآه تلك الليلة من العجائب ، ويحتمل أن يريد لنري محمدا للناس آية ، أي يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم آية في أن يصنع اللّه ببشر هذا الصنع وتكون الرؤية على هذا رؤية قلب ، ولا خلاف أن في هذا الإسراء فرضت الصلوات الخمس على هذه الأمة . وقوله :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
وعيد من اللّه للكفار تكذيبهم محمدا في أمر الإسراء ، فهي إشارة لطيفة بليغة إلى ذلك أي
هُوَ السَّمِيعُ
لما تقولون
الْبَصِيرُ
بأفعالكم . قوله عزّ وجل :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 2 إلى 4 ]

وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً ( 2 ) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً ( 3 ) وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ( 4 ) عطف قوله :
وَآتَيْنا
على ما في قوله
أَسْرى بِعَبْدِهِ
[ الإسراء : 1 ] من تقدير الخبر ، كأنه قال أسرينا بعبدنا وأريناه آياتنا ، و
الْكِتابَ
التوراة ، والضمير في
جَعَلْناهُ
يحتمل أن يعود على
الْكِتابَ
ويحتمل أن يعود على
مُوسَى
. وقوله
أَلَّا تَتَّخِذُوا
يجوز أن تكون « أن » في موضع نصب بتقدير كراهية أن موضع خفض بتقدير لأن لا تتخذوا ، ويجوز أن تكون « أن » مفسرة بمعنى أي كما قال
أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا
[ ص : 6 ] فهي في هذا مع أمر موسى وهي في آياتنا هذه مع نهي ، والمعنى مع هذه التقديرات فعلنا ذلك لئلا تتخذوا يا ذرية ، ويحتمل أن يكون
ذُرِّيَّةَ
مفعولا ، ويحتمل أن تكون « أن » زائدة ويضمر في الكلام قول تقديره قلنا لهم : لا تتخذوا ، وأما أن يضمر القول ولا تجعل « أن » زائدة فلا يتجه ، لأن ما بعد القول إما يكون جملة تحكى ، وإما أن يكون ترجمة عن كلام لا هو بعينه ، فيعمل القول في الترجمة كما تقول لمن قال : لا إله إلا اللّه قلت حقا ، وقوله :
أَلَّا تَتَّخِذُوا
ليس بواحد من هذين ، قاله أبو علي وقرأ جمهور الناس « تتخذوا » بالتاء على المخاطبة ، وقرأ أبو عمرو وحده « ألا يتخذوا » بالياء على لفظ الغائب ، وهي قراءة بن عباس ومجاهد وقتادة وعيسى وأبي رجاء ، و « الوكيل » هنا فعيل من التوكل أي
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 436 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى