أعلم محمدا ، وارتد ولحق بمكة ، ونزلت الآية فيه .
قال القاضي أبو محمد : هذا نصراني أسلم وكتب ، ثم ارتد ولحق بمكة ومات ، ثم لفظته الأرض ، وإلا فهذا القول يضعف لأن الكاتب المشهور الذي ارتد لهذا السبب ولغيره من نحوه هو عبد اللّه بن أبي سرح العامري ، ولسانه ليس بأعجمي فتأمله .
قوله عزّ وجل :
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 104 إلى 106 ]
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 105 ) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 106 )
المفهوم من الوجود أن الذين لا يهديهم اللّه لا يؤمنون بآياته ، ولكنه قدم في هذا الترتيب وأخر ، تهمما بتقبيح فعلهم والتشنيع لخطابهم ، وذلك كقوله تعالى
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
[ الصف : 5 ] والمراد ما ذكرناه فكأنه قال إن الذين لم يؤمنوا لم يهدهم اللّه ، وقوله :
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ
بمعنى يكذب ، وهذه مقاومة للذين قالوا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : إنما أنت مفتر ، و
إِنَّما
أبدا حاصرة ، لكن حصرها يختلف باختلاف المعاني التي تقع فيها ، فقد يربط المعنى أن يكون حصرها حقيقيا كقوله تعالى :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
[ النساء : 171 ] وقد يقتضي المعنى أن يكون حصرها تجوزا ومبالغة ، كقولك : إنما الشجاع عنترة ، وهكذا هي في هذه الآية ، قال الزجاج : يفتري هذا الصنف لأنهم إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا اللّه ، كذبوا بها ، فهذا أفحش الكذب ، وكرر المعنى في قوله :
وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ
لفائدة إيقاع الصفة بالكذب عليهم إذ الصفة بالشيء أبلغ من الخبر به ، لأن الصفة تقتضي الدوام أكثر مما يقتضه الخبر فبدأ في هذه الآية بالخبر ، ثم أكد بالصفة ، وقد اعترض هذا النظر مكي ، وليس اعتراضه بالقوي ، و
مَنْ
في قوله
مَنْ كَفَرَ
بدل من قوله
هُمُ الْكاذِبُونَ
ولم يجز الزجاج غير هذا الوجه لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام فعلقه بما قبله ، والذي أبى الزجاج سائغ على ما أورده الآن إن شاء اللّه .
قال القاضي أبو محمد : وهذا يتأكد بما روي من أن قوله
وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ
يراد به عبد اللّه بن أبي سرح ومقيس بن صبابة وأشباههما ممن كان آمن برسول اللّه ثم ارتد ، فلما بين في هذه الآية أمر الكاذبين بأنهم الذين كفروا بعد الإيمان أخرج من هذه الصفة القوم المؤمنون المعذبون بمكة ، وهم بلال وعمار وسمية أمه وخباب وصهيب وأشباههم ، وذلك أن كفار مكة كانوا في صدر الإسلام يؤذون من أسلم من هؤلاء الضعفة ، يعذبونهم ليرتدوا ، فربما سامعهم بعضهم بما أرادوا من القول ، يروى أن عمار بن ياسر فعل ذلك فاستثناه اللّه في هذه الآية ، وبقيت الرخصة عامة في الأمر بعده ، ثم ابتدأ الإخبار : « أن من شرح