كرر النهي عن اتخاذ الأيمان
دَخَلًا بَيْنَكُمْ
تهمما بذلك ومبالغة في النهي عنه ، لعظم موقعه من الدين وتردده في معاشرات الناس ، و « الدخل » كما قلنا الغوائل الخدائع ، وقوله
فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها
استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه لأن القدم إذا زلت نقلت الإحسان من حال خير إلى حال شر ، ومن هذا المعنى قول كثير :
فلما توافينا ثبت وزلت
أي تنقلت من حال إلى حال ، فاستعار لها الزلل ، ومنه يقال لمن أخطأ في شيء : زل فيه ، ثم توعد بعد بعذاب في الدنيا و
عَذابٌ عَظِيمٌ
في الآخرة ، وقوله
بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
يدل على أن الآية فيمن بايع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله
وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ
الآية ، هذه آية نهي عن الرشا وأخذ الأموال على فعل ما يجب على الأخذ أو تركه ، أو فعل ما يجب عليه تركه ، فإن هذه هي التي عهد اللّه إلى عباده فيها ، فمن أخذ على ذلك مالا فقد أعطى عهد اللّه وأخذ قليلا من الدنيا ، ثم أخبر تعالى أن ما عنده من نعيم الجنة ومواهب الآخرة خير لمن اتقى وعلم واهتدى ، ثم بين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان ، أو ينقضي عنها ، ومنن الآخرة باقية دائمة ، وقرأ ابن كثير وعاصم « ولنجزين » بنون ، وقرأ الباقون « وليجزين » بالياء ولم يختلفوا في قوله
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أنه بالنون ، كذا قال أبو علي ، وقال أبو حاتم : إن نافعا روي عنه « وليجزينهم » بالياء ، و
صَبَرُوا
معناه عن الشهوات وعلى مكاره الطاعة وهذه إشارة إلى الصبر عن شهوة كسب المال بالوجوه المذكورة ، وقوله
بِأَحْسَنِ
أي بقدر أحسن ما كانوا يعملون ، وقوله
مَنْ عَمِلَ صالِحاً
يعم جميع أعمال الطاعة ، ثم قيده بالإيمان ، واختلف الناس في « الحياة الطيبة » فقال ابن عباس والضحاك : هو الرزق الحلال ، وقال الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : هي القناعة وهذا طيب عيش الدنيا ، وقال ابن عباس أيضا : هي السعادة ، وقال الحسن البصري : « الحياة الطيبة » هي حياة الآخرة ونعيم الجنة .
قال القاضي أبو محمد : وهناك هو الطيب على الإطلاق ، ولكن ظاهر هذا الوعد أنه في الدنيا ، والذي أقول : إن طيب الحياة اللازم للصالحين إنما هو بنشاط نفوسهم ونيلها وقوة رجائهم ، والرجاء للنفس أمر ملذ ، فبهذا تطيب حياتهم وأنهم احتقروا الدنيا فزالت همومها عنهم ، فإن انضاف إلى هذا مال حلال وصحة ، أو قناعة فذلك كمال ، وإلا فالطيب فيما ذكرناه راتب وجاء قوله
فَلَنُحْيِيَنَّهُ
على لفظ
مَنْ
، وقوله
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
على معناها ، وهذا وعد بنعيم الجنة ، وباقي الآية بين ، وحكى الطبري عن أبي صالح أنه قال : نزلت هذه الآية بسبب قوم من أهل الملل تفاخروا ، وقال كل منهم ملتي أفضل ، فعرفهم اللّه تعالى في هذه الآية أفضل الملل .