تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
للقرآن ، أي فيه شفاء ، وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية إنما يراد بها أهل البيت ورجال بني هاشم ، وأنهم النحل ، وأن الشراب القرآن والحكمة ، وقد ذكر بعضهم هذا في مجلس المنصور أبي جعفر العباسي : فقال له رجل ممن حضر : جعل اللّه طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم ، فأضحك الحاضرين ، وبهت الآخر ، وظهرت سخافة قوله ، وباقي الآية بين . قوله عزّ وجل :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 70 إلى 72 ]

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 71 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) هذا تنبيه على الاعتبار في إيجادنا بعد العدم وإماتتنا بعد ذلك ، ثم اعترض بمن ينكث من الناس لأنهم موضع عبرة ، و
أَرْذَلِ الْعُمُرِ
آخره الذي تفسد فيه الحواس ويختل النطق ، وخص ذلك بالرذيلة وإن كانت حال الطفولية كذلك ، من حيث كانت هذه لا رجاء معها ، والطفولية إنما هي بدأة والرجاء معها متمكن ، وقال بعض الناس : أول أرذل العمر خمسة وسبعون سنة روي ذلك عن علي رضي اللّه عنه . قال القاضي أبو محمد : وهذا في الأغلب ، وهذا لا ينحصر إلى مدة معينة وإنما هو بحسب إنسان إنسان ، والمعنى ، منكم من يرد إلى أرذل عمره ورب من يكون ابن خمسين سنة وهو في أرذل عمره ، ورب ابن مائة وتسعين ليس في أرذل عمره ، واللام في
لِكَيْ
يشبه أن يكون لام صيرورة ، وليس ببين ، والمعنى ليصير أمره بعد العلم بالأشياء إلى أن لا يعلم شيئا ، وهذه عبارة عن قلة علمه لا أنه لا يعلم شيئا البتة ، ولم تحل
لا
بين « كي » ومعمولها لتصرفها ، وأنها قد تكون زائدة ثم قرر تعالى علمه وقدرته التي لا تتبدل ولا تحملها الحوادث ولا تتغير ، وقوله
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ
إخبار يراد به العبرة ، وإنما هي قاعدة يبنى المثل عليها ، والمثل هو أن المفضلين لا يصح منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أعطوا حتى تستوي أحوالهم ، فإذا كان هذا في البشر فكيف تنسبون أنتم أيها الكفرة إلى اللّه تعالى أنه يسمح بأن يشرك في ألوهيته الأوثان والأنصاب ، وهم خلقه وغيرها مما عبد كالملائكة والأنبياء وهم عبيده وخلقه ، هذا تأويل الطبري ، وحكاه عن ابن عباس وحكي عنه أن الآية مشيرة إلى عيسى ابن مريم عليه السلام ، قال المفسرون : هذه الآية كقوله تعالى
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ
[ الروم : 28 ] ، ثم وقفهم على جحدهم نعمة اللّه في تنبيهه لهم على مثل هذا من مواطن النظر المؤدية إلى الإيمان ، وقرأ الجمهور وحفص عن عاصم « يجحدون » بالياء من تحت ، وقرأ أبو بكر عن عاصم « تجحدون » بالتاء ، وهي قراءة أبي عبد الرحمن والأعرج بخلاف عنه ، وهي على معنى قل